فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 381

318 -الحديثُ الأوَّلُ: عنْ عبدِ الله بنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهُمَا"أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهَي حَائِضٌ. فذَكَرَ ذلِكَ عُمَرُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ. فَتَغَيَّظَ مِنْهُ رسولُ الله صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ. ثمَّ قالَ: لِيُرَاجِعْها، ثمَّ يُمْسِكْهَا حتى تَطْهُرَ، ثمَّ تحِيضَ. فَتَطْهُرَ. فإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا قبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا. فَتِلْكَ الْعِدَّةُ، كما أَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ".

وفي لفظٍ"حتى تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبَلَةً سِوىَ حَيْضتِهِا التي طَلَّقَهَا فِيَها".

وفي لفظٍ"فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاَقِهَا، وَرَاجَعهَا عَبْدُ اللهِ كما أَمَرَهُ رسولُ اللهِ صلَّي اللهُ عَليهِ وسلَّمَ".

الطَّلاقُ في الحيضِ مُحَرَّمٌ للحديثِ. وذَكَرَ عُمَرُ ذلكَ للنَّبِيِّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ لعلَّه ليُعَرِّفَه الحُكْمَ. وَ تَغْيَّظَ النَّبيُّ صلَّي اللهُ عَليهِ وسلَّمَ إمَّا لأنَّ المعنَى الَّذي يَقْتضِي المنْعَ كانَ ظاهِرًا، وكانَ يقتضِي الحالُ التَّثَبُّتَ في الأَمْرِ، أو لأنَّه كانَ يقتَضِي الأَمْرُ المُشَاوَرَةَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ في مِثْلِ ذلكَ إذا عَزَمَ عليْهِ.

وقولُه عليه السَّلامُ:"لِيُراجِعْها". صيغةُ أَمْرٍ، مَحْمُولَةٌ عندَ الشافعيِّ على الاستحَبابِ. وعندَ مالكٍ على الوُجوبِ. ويُجْبَرُ الزَّوجُ على الرَّجْعةِ إذا طلَّقَ في الحيضِ عندَه. واللَّفْظُ يَقْتَضِِي امْتِدَادَ المنْعِ للطَّلاقِ إِلى أنْ تطهُرَ مِن الحَيْضَةِ الثانِيةِ؛ لأنَّ صيغةََ"حتَّى"لِلغايةِ. وقدْ عُلِّلَ توقُّفُ الأمْرِ إلى الطُّهْرِ من الحيْضةِ الثانيَّةِ بأنَّه لو طَلَّقَ في الطُّهْرِ من الحيْضَةِ الأُولَى، لكانتِ الرَّجْعةُ لأجلِ الطَّلاقِ وليسَ ذلكَ مَوْضُوعَها. إنَّما هيَ مَوْضُوعَةٌ للاسْتِباحَةِ. فإذا أمْسَكَ عنِ الطَّلاقِ في هذا الطُّهْرِ استمرَّتِ الإباحَةُ فيه. وربَّما كان دَوَامُ مُدَّةِ الاستِبَاحةِ معَ المُعَاشَرَةِ سَبَبًا للوْطءِ. فيَمْتنعُ الطَّلاقُ في ذلكَ الطُّهْرِ؛ لأجلِ الوْطءِ فيه وفي الحَيضِ الذِي يليهِ. فقدْ يكونُ سببًا لدَوَامِ العِشرَةِ.

ومِن النَّاسِ مَن علَّلَ امْتِنَاعَ الطَّلاقِ في الحيضِ بتطْوِيلِ العِدَّةِ؛ فإنَّ تِلكَ الحيْضةَ لا تُحْسَبُ مِن العِدَّةِ. فَيَطُولُ زمانُ التَّربُّصِ. ومنهمْ مَن لمْ يُعلِّلْ بذَلكَ، ورأَى الحُكْمَ مُعَلَّقًا بِوُجُودِ الحيْضِ وصورتِهِ. ويَنْبَنِي على هذا ما إذا قُلْنا: إنَّ الحامِلَ تَحيضُ، فطلَّقَها في الحَيْضِ الواقعِ في الحَمْلِ. فَمَن علَّلَ بتَطويلِ العِدَّةِ لَم يُحَرِّمْ؛ لأنَّ العِدَّةَ ههُنا بوضْعِ الحَمْلِ. ومَن أدَارَ الحُكْمَ على صُورَةِ الحَيْضِ مَنَعَ.

وقد يُؤْخَذُ مِنَ الحديثِ ترْجيحُ المنْعِ في هذهِ الصُّورَةِ مِنْ جِهةِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ أَلْزَمَ الْمُرَاجَعَةَ مِن غيرِِ اسْتِفْصَالٍ، ولا سُؤالٍ عن حالِ المرأةِ: هل هيَ حاملٌ، أو حَائِلٌ؟ وَتَرْكُ الاسْتِفْصَالِ في مِثلِ هذَا: يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ عُمُومِ المَقالِ عَنْدَ جمعٍ مِن أرْبَابِ الأُصُولِ، إلا أنَّه قد يَضْعُفُ هَهُنَا هذَا المأْخَذُ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ تَرَكَ الاسْتِفْصَالَ لنُدْرَةِ الحيضِ في الحَمْلِ.

ويَنْبَنِي أيضًا على هذينِ المأْخَذَيْنِ: ما إذا سَأَلَتِ المرأةُ الطَّلاقَ في الحيضِ: هلْ يَحْرُمُ طلاقُها فيه؟ فَمَنْ مالَ إلى التَّعلِيلِ بطُولِ المُدَّةِ، لِمَا فِيه مِنَ الإضْرارِ بالمرْأةِ لم يقتضِ ذلكَ التَّحرِيمَ؛ لأنَّها رَضِيَتْ بِذَلِكَ الضَّررِ. ومَنْ أَدَارَ الحُكْمَ على صُورَةِ الْحَيْضِ: منعَ. والعملُ بظاهرِ الحديثِ في ذَلِكَ أوْلَى. وقد يُقَالُ في هذَا ما قِيلَ في الأَوَّلِ مِن تَرْكِ الاسْتِفْصَالِ. وقد يُجَابُ عنه فيهِمَا بأنَّه مَبْنِيٌّ على الأصْلِ، فإنَّ الأَصْلَ عَدَمُ سُؤَالِ الطَّلاقِ. وَعَدَمُ الحمْلِ.

وَيَتَعَلَّقُ بالحديثِِ مَسْأَلَةٌ أصولَيَّةٌ. وهيَ أنَّ الأَمْرَ بالأمرِ بالشَّيِء، هل هو أَمْرٌ بذلكَ الشَّيءِ أم لاَ؟ فإنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ قالَ لِعُمرَ في بعضِ طُرُقِ هذَا الحديثِ"مُرْه. فَأَمَرَهُ بِأَمْرِهِ وعلى كلِّ حالٍ فلا ينبغيِ أن يُتَرَدَّدَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت