و"الْمُسْتَافُ"هو هذا القاصُّ، وأما العِيافَةُ: فهي زجْرُ الطَّيرِ، والطِّيَرةُ والتَّفاؤُلُ بهِمَا، ومَا قَاربَ ذلكَ. وأمَّا السَّانِحُ والبَارِحُ: فَفِي الوحشِ، وفي الحديثِ"الْعِيَافَةُ والطَّرْقُ"مِنَ الْجِبْتِ"وهوَ الرَّميُ بالْحَصَا، وأمَّا القِيَافةُ فهيَ ما نَحْنُ فيه، وهو اعتبارُ الأشْباهِ لإلْحاقِ الأَنْسابِ."
329 -الحديثُ السَّادسُ: عن أبي سعيدٍ الخدْريِّ رضيَ اللهُ عنْهُ قال:"ذُكِرَ الْعَزْلُ لِرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ. فقالَ: وَلِمَ يَفْعَلْ ذلِكَ أَحَدُكُمْ؟ - وَلَمْ يَقُلْ: فَلاَ يَفْعَلْ ذلِكَ أَحَدُكُمْ - فإِنَهُ لَيسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إلا اللهُ خَاِلقُهَا".
اخْتَلفَ الفقهاءُ فيِ حُكْمِ العزْلِ، فأَباحَهُ بعضُهُمْ مطُلْقًا. وقيلَ فيه: إذَا جازَ تَرْكُ أصْلِ الوطْءِ جازَ تَرْكُ الإنزالِ، ورجَّحَ هذا بعضُ أصحابِ الشَّافِعيِّ، ومِن الفقهاءِ مَنْ كَرِهَه في الحُرَّةِ إلا بإذْنِها، وفي الزَّوجةِ الأَمَةِ إلا بإذنِ السَّيدِ، لحقِّهِمَا في الولدِ. ولم يُكْرِهْهُ في السَّرارِيِّ. لِما في ذلكَ - أعنى الإنزالَ - من التَّعرُّضِ لإتلافِ الماليَّةِ، وهذا مذهبُ المالكيَّةِ.
وفي الحديثِ إشارةٌ إلى إلحاقِ الولدِ، وإنْ وقعَ العزْلُ، وهو مذهبُ أكثرِ الفقهاءِ.
330 -الحديثُ السابعُ: عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي اللهُ عنهما قال:"كنَّا نَعْزِلُ والْقُرْآنُ ينْزِلُ، لَوْ كانَ شَيْئًا يُنْهَي عَنْهُ لَنَهَانَا عنه الْقُرآنُ".
يَسْتَدِلُّ به من يُجِيزُ العزْلَ مطلقًا، واسْتَدَلَّ جابرٌ بالتَّقريرِ مِن اللهِ تعالى على ذلكَ. وهو استدلالٌ غريبٌ، وكانَ يُحْتَملُ أن يكونَ الاستدْلالُ بتقريرِ الرَّسولِِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ لكنَّه مَشْرُوطٌ بِعِلْمِهِ بِذلكَ، ولفظُ الحديثِ لا يقتَضيِ إلا الاسْتِدْلالَ بتقريرِ اللهِ تعالى.
331 -الحديثُ الثامنُ: عن أبي ذرٍّ رضيَ اللهُ عنه: أنَّه سمِعَ رسولَ الله صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ يقولُ"لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيِهِ - وَهُوَ يَعْلَمُهُ - إلاَّ كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعى ما لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مَنْ النَّارِ. وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قالَ: عَدْوَّ اللهِ، وَلَيْسَ كَذلِكَ، إِلاَّ حَارَ عَلَيْهِ".
كذا عندَ مسلمٍ، وللبخاريِّ نحوَه.
يدلُّ على تحريمِ الانتِفاءِ من النَّسبِ الْمَعْرُوفِ، والاعْتزاءِ إلى نَسبِ غيرِهِ، ولاَ شَكَّ أنَّ ذلكَ كبيرةٌ، لِمَا يَتَعَلَّقُ به مِن المفَاسِدِ العظيمَةِ، وقد نَبَّهْنَا على بَعْضِها فيمَا مضَى، وشرَطَ الرَّسُولُ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ العلْمَ؛ لأنَّ الأْنسَابَ قد تَتَراخَى فيها مُدَدُ الآباءِ والأجدادِ، ويُتَعَذَّرُ العلْمُ بحقيقَتِها، وقدْ يَقَعُ اخْتِلالٌ في النَّسبِ في الباطِنِ من جِهَةِ النِّساءِ، ولا يُشْعَرُ بِه. فَشَرْطَ العِلْمَ لذلكَ.
وقولُه"إِلاَّ كَفَرَ"مَتْرُوكُ الظاَّهِرِ عندَ الْجُمهِورِ؛ فَيَحْتَاجُونَ إلى تأْويلِهِ، وقدْ يُؤَوَّلُ بكُفْرِ النِّعَمةِ، أو بِأنَّه أُطْلِقَ عليه"كُفْرٌ"لأنَّه قارَبَ الكُفْرَ، لعِظَمِ الذَّنْبِ فيه، تسْمَيهً للشَّيءِ باسمِ ما قَارَبَهُ. أو يُقالُ بتأْويلِهِ على فاعِلِ ذلكَ مُسْتَحِلاًّ له.