135 -الحديثُ الأولُ: عن سهلِ بنِ سعدٍ السَّاعديِّ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ، فَكَبَّرَ وَكَبَّر النَّاسُ وَرَاءَهُ، وَهُوَ عَلَى المنْبَرِ، ثُمَّ رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى، حتى سَجَدَ فِي أَصْلِ المِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ حتى فَرَغَ مِنْ آخِر صلاَتِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: (( أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بي، وَلِتَعلمُوا صَلاَتي ) ).
وَفِي لفظٍ: (( صَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ كَبَّر عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا، فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى ) ).
(( أبو العبَّاسِ ) )سهلُ بنُ سعدِ بنِ مالكٍ السَّاعديُّ الأنصاريُّ، وبنو ساعدةَ مِن الأنصارِ، متَّفقٌ عَلَى إخراجِ حديثهِ، ماتَ سنةَ إحدَى وتسعينَ، وَهُوَ ابنُ مائةِ سنةٍ، وَهُوَ آخرُ من ماتَ بالمدينةِ من أصحاب رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فيه دليلٌ عَلَى جوازِ صلاةِ الإِمامِ عَلَى أرفعَ مِمَّا عَلَيْهِ المأمومُ لقصدِ التَّعليمِ، وَقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ فِي لفظِ الحديثِ، فَأَمَّا مِنْ غيرِ هَذَا القصدِ، فَقَدْ قِيلَ بكراهتِه، وزادَ أصحابُ مالكٍ - أَوْ مَن قَالَ منهُمْ - فقالوا: إنْ قصَدَ التكبُّرَ بَطُلَتْ صلاتُه، ومَن أرادَ أن يُجيزَ هَذَا الارتفاعَ مِن غيرِ قصدِ التَّعليمِ، فاللفظُ لاَ يتناولُه، والقياسُ لاَ يستقيمُ لانفرادِ الأصلِ بوصفٍ معتبرٍ تقتضِي المناسبةُ اعتبارَهُ.
وفيه دليلٌ عَلَى جوازِ العملِ اليسيرِ فِي الصَّلاةِ، لكنْ فيه إشكالٌ عَلَى مَن حدَّدَ الكثيرَ مِن العملِ بثلاثِ خطواتٍ، فإنَّ منبرَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ ثلاثَ درجاتٍ، والصَّلاةُ كانتْ عَلَى العُليَا، ومِن ضرورةِ ذَلِكَ، أنْ يقعَ مَا أوقعَه مِنَ الفعل عَلَى الأرضِ، بعدَ ثلاثِ خطواتٍ فأكثرَ، وأقلُّه ثلاثُ خطواتٍ وَالَّذِي يُعتذَرُ بِهِ عن هَذَا أن يُدَّعَى عدمُ التَّوالي بَيْنَ الخطواتِ، فإنَّ التواليَ شرطٌ فِي الإِبطالِ، أَوْ ينازَعُ فِي كونِ قيامِ هَذِهِ الصَّلاةِ فوقَ الدَّرجةِ العُليَا.
وفيه دليلٌ عَلَى جوازِ إقامةِ الصَّلاةِ أَوْ الجماعةِ لغرضِ التَّعليمِ، كَمَا صرَّح بِهِ فِي لفظِ الحديثِ. والرِّوايةُ الأخيرةُ قَدْ تُوهمُ أنَّه نَزَلَ فِي الرُّكوعِ، وربَّمَا يَقوَى هَذَا باقتضاءِ الفاءِ للتعقيبِ ظاهرًا، لكنَّ الروايةَ الأولى تُبيِّنُ أنَّ النُّزولَ كَانَ بعدَ القيامِ مِن الرُّكوعِ، والمصيرُ إِلَى الأُولى أوجبُ، لأنها نصٌّ، ودلالةُ الفاءِ عَلَى التعقيبِ ظاهرةٌ، واللهُ أعلمُ.
136 -الحديثُ الثَّانِي: عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمعةَ فَلْيَغْتَسِلْ ) ).
الحديثُ صريحٌ فِي الأمرِ بالغُسلِ للجمعةِ، وظاهرُ الأمرِ الوجوبُ، وَقَدْ جاءَ مُصرَّحًا بِهِ بلفظِِ الوجوبِ فِي حديثٍ آخرَ، فَقَالَ بعضُ النَّاسِ بالوجوبِ، بناءً عَلَى الظَّاهرِ، وخالفَ الأكثرونَ فقالُوا بالاستحبابِ، وهمْ محتاجونَ إِلَى الاعتذارِ عن مخالفةِ هَذَا الظاهرِ، فأوَّلوا صيغةَ الأمرِ عَلَى النَّدبِ، وصِيغةَ الوجوبِ عَلَى التَّأكيدِ، كَمَا يقالُ: حقُّكَ واجبٌ عليَّ، وَهَذَا التأويلُ الثَّانِي أضعفُ مِن الأوَّلِ، وَإِنَّمَا يُصارُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ المعارضُ راجحًا فِي الدَّلالةِ عَلَى هَذَا الظَّاهرِ، وأقوَى مَا عارضُوا بِهِ حديثُ (( مَن توضَّأَ يومَ الجمعةِ فَبِهَا ونِعْمَتْ، ومن اغتسلَ فالغُسلُ أفضلُ ) )، وَلاَ يقاومُ سندهُ سندَ هَذِهِ الأحاديثِ، وإن كَانَ المشهورُ مِن سندِه صحيحًا عَلَى مذهبِ بعضِ أصحابِ الحديثِ، وربَّمَا احتملَ أَيْضًا تأويلًا مُستكرهًا بعيدًا، كبُعدِ تأويلِ لفظِ (( الوجوبِ ) )عَلَى التأكيدِ، وَأَمَّا غيرُ هَذَا الحديثِ مِن المُعارضاتِ المذكورةِ لما ذكرناهُ من دلائلِ الوجوبِ، فَلاَ تَقْوَى دلالتُه عَلَى عدمِ الوجُوبِ، لقوَّةِ