تَصْرِيحٌ بِمَنْعٍ وَلَا جَوَازٍ، وَإِنَّمَا فِيهِ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالفِعْلُ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى الوُجُوبِ عَلَى المُخْتَارِ.
الثَّالِثُ: فِيهِ جَوَازُ اسْتِخْدَامِ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ فِيمَا خَفَّ مِن الشُّغْلِ، وَاقْتَضَتْهُ العَادَةُ.
الرَّابِعُ: فِيهِ جَوَازُ مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ بِمِثْلِ هَذَا الفِعْلِ مِن الطَّاهِرِ، فَإِنَّ بَدَنَهَا غَيْرُ نَجِسٍ إِذَا لَمْ يُلَاقِ نَجَاسَةً.
الخَامِسُ: فِيهِ أَنَّ المُعْتَكِفَ إِذَا أَخْرَجَ رَأْسَهُ مِن المَسْجِدِ لَم يَفْسُد اعْتِكَافُهُ، وَقَد يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِن الأَعْضَاءِ، إِذَا لَمْ يُخْرِجْ جَمِيعَ بَدَنِهِ مِنَ المَسْجِدِ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَن حَلَفَ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِن بَيْتٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَخَرَجَ بِبَعْضِ بَدَنِهِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَوَجْهُ الاسْتِدْلَالِ أَنَّ الحَدِيثَ دَلَّ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ بَعْضِ البَدَنِ لَا يَكُونُ كَخُرُوجِهِ كُلِّهِ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الكَوْنُ فِي المَكَانِ المُعَيَّنِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجُ بَعْضِهِ كَخُرُوجِهِ كُلِّهِ، لَمْ يَحْنُثْ بِذَلِكَ، فَإِنَّ اليَمِينَ إِنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِخُرُوجِهِ، وَحَقَيقَتُهُ فِي الكُلِّ، أَعْنِي كُلَّ البَدَنِ.
43 -الحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّكِئُ فِى حِجْرِي، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَأَنَا حَائِضٌ ) ).
فِيهِ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ مِن طَهَارَةِ بَدَنِ الحَائِضِ، وَمَا يُلَابِسُهَا مِمَّا لَمْ تَلْحَقْهُ نَجَاسَةٌ وَجَوازُ مُلَابَسَتِهَا أَيْضًا كَمَا قُلْنَاهُ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الحَائِضَ لَا تَقْرَأُ القُرْآنَ، لِأَنَّ قَوْلَهَا: (( فَيَقْرَأُ القُرْآنَ ) )إِنَّمَا يَحْسُنُ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ ثَمَّةَ مَا يُوهِمُ مَنْعَهُ، وَلَوْ كَانَتْ قِرَاءَةُ القُرْآنِ لِلحَائِضِ جَائِزَةً لَكَانَ هَذَا الوَهْمُ مُنْتَفِيًا، أَعْنِي تََوَهُمَ امْتِنَاعِ قِرَاءَةِ القُرْآنِ فِي حِجْرِ الحَائِضِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الصَّحِيحُ امْتِنَاعُ قِرَاءَةِ الحَائِضِ القُرْآنَ، وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ أَصْحَابِ مَالِكٍ جَوَازُهُ.
44 -الحَدِيثُ الخَامِسُ: عَن مُعَاذَةَ، قَالَتْ: (( سَأَلتُ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَقُلْتُ: مَا بَالُ الحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصِّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أََحَرُوْرِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنيَّ أَسْأَلُ، فَقَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكِ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلاَ نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ ) ).
(( مُعَاذَةُ ) )بِنْتُ عَبْدِ اللهِ العَدَوِيَّةُ، امْرَأةُ صِلَةَ بنِ أَشْيَمَ بَصْرِيَّةٌ، أَخْرَجَ لَهَا الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا. وَ (( الحَرُورِيُّ ) )مَن يُنْسَبُ إِلَى حَرُورَاءَ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بِظَاهِرِ الكُوفَةِ، اجْتَمَعَ فِيهِ أَوَائِلُ الخَوَارِجِ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ خَارِجِيُّ، وَمِنْهُ قَولُ عَائِشَةَ لِمُعَاذَةَ (( أَحَرُوريَّةٌ أَنْتِ؟ ) )أَيْ أَخَارِجِيَّةٌ، وَإِنَّمَا قَالَتْ ذَلِكَ، لِأَنَّ مَذْهَبَ الخَوَارِجِ أَنَّ الحَائِضَ تَقْضِي الصَّلَاةَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّ مُعَاذَةَ أَوْرَدَت السُّؤالَ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السُّؤالِ المُجَرَّدِ، بَلْ صِيغَتُهَا قَدْ تُشْعِرُ بِتَعَجُّبٍ أَوْ إِنْكَارٍ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: (( أَحَرُوريَّةٌ أَنْتِ؟ ) )فَأَجَابَتْهَا بِأَنْ قَالَتْ: (( لَا، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ ) )أَيْ أَسْأَلُ سُؤالًا مُجَرَّدًا عَن الإِنْكَارِ وَالتَّعَجُّبِ، بَلْ لِطَلَبِ مُجَرَّدِ العِلْمِ بِالحُكْمِ، فَأَجَابَتْهَا عَائِشَةُ بِالنَّصِّ، وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِلمَعْنَى، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ وَأَقْوَى فِي الرَّدْعِ عَن مَذْهَبِ الخَوَارِجِ، وَأَقْطَعُ لِمَن يُعَارِضُ، بِخِلَافِ المَعَانِي المُنَاسِبَةِ، فَإِنَّهَا عُرْضَةٌ لِلمُعَارَضَةِ.
وَالَّذِي ذَكَرَهُ العُلَمَاءُ مِن المَعْنَى فِي ذَلِكَ، أَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ، فَإِيجَابُ قَضَائِهَا مُفْضٍ إِلَى حَرَجٍ وَمَشَقَّةٍ، فَعُفِيَ عَنْهُ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ،