فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 381

المَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ: ظَاهِرُ الأَمْرِ الوجُوبُ، وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ قَولٌ: إنَّهُ للنَّدْبِ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا اعتَقَدَ طَهَارةَ الكَلْبِ - بالدَّليلِ الَّذِي دَلَّهُ عَلَى ذَلِكَ - جَعَلَ ذَلِكَ قَرَينَةً صَارفَةً للأَمْرِ عَن ظَاهِرِهِ، مِن الوُجُوبِ إِلَى النَّدْبِ، وَالأمْرُ قَدْ يُصْرَفُ عَن ظَاهِرِهِ بِالدَّلِيلِ.

المَسْأَلَةُ الحَادِيَةُ عَشْرَةَ: قَولُهُ: (( بالتُّرَابِ ) )يَقْتَضِي تَعيُّنَهُ، وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قَولٌ - أَو وَجْهٌ - إِنَّ الصَّابُونَ والأُشْنَانَ وَالغَسْلَةَ الثَّامِنَةَ تَقُومُ مَقَامَ التُّرَابِ، بِنَاءً عَلَى أنَّ المَقْصُودَ بِالتُّرَابِ زِيَادَةُ التَّنْظِيفِ، وَأَنَّ الصَّابُونَ وَالأُشْنَانَ يَقُومَانِ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا عِنْدَنَا ضَعِيفٌ؛ لأَنَّ النَّصَّ إِذَا وَرَدَ بِشَيءٍ مُعَيَّنٍ، واحْتَمَلَ مَعْنًى يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، لَمْ يَجُزْ إِلْغَاءُ النَّصِّ، واطْرَاحُ خُصُوصِ المُعَيَّنِ فِيهِ، والأَمْرُ بِالتُّرَابِ - وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا لِمَا ذَكَرُوهُ، وَهُوَ زِيَادَةُ التَّنْظِيفِ - فَلَا نُجْزِمُ بِتَعْيِينِ ذَلِكَ المَعْنَى، فَإِنَّهُ يُزَاحِمُهُ مَعْنًى آخَرُ، وَهُو الجَمْعُ بَينَ مُطَهِّرَيْنِ، أَعْنِي المَاءَ والتُّرَابَ، وَهَذَا المَعْنَى مَفْقُودٌ فِي الصَّابُونِ وَالأُشنَانِ.

وَأَيضًا فَإِنَّ هَذِهِ المَعَانِيَ المُسْتَنْبَطَةَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا سِوى مُجَرَّدِ المُنَاسَبَةِ، فَلَيْسَتْ بِذَلِكَ الأمْرِ القَويِّ، فَإِذَا وَقَعَتْ فِيهَا الاِحْتِمَالَاتُ، فَالصَّوابُ اتِّبَاعُ النَّصِّ، وَأَيضًا فَإِنَّ المَعْنَى المُسْتَنْبَطَ إِذَا عَادَ عَلَى النَّصِ بِإِبْطَالٍ أَوْ تَخْصِيصٍ مَرْدُودٌ عِنْدَ جَمْعٍ مِن الأُصُوليِّينَ.

7 -الحَدِيثُ السَّابِعُ: عَن حُمْرَانَ - مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِن إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: (( مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) ).

(( عُثمانُ ) )بنُ عفَّانَ بنِ أبي العَاصِ بنِ أُمَيَّةَ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ، يَجْتَمِعُ مَعَ رسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَهَاجَرَ الهِجْرَتَيْنِ، وَتزَوَّجَ بِنْتَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَلِيَ الخِلَافَةَ بَعْدَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقُتِلَ يَومَ الجُمُعَةِ لِثَمَانِي عَشْرَةَ خَلَوْنَ مِن ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينِ مِن الهِجْرَةِ، ومَولَاهُ (( حُمْرَانُ ) )بنُ أبَانَ بنِ خَالِدٍ، كانَ مِن سَبْيِ عَيْنِ التَّمْرِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى البَصْرَةِ، احْتَجَّ بِهِ الجَمَاعَةُ، وَكَانَ كَبِيرًا. الكَلَامُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ مِنْ وُجُوُهٍ:

أَحَدُهَا: (( الوَضُوءُ ) )بِفَتِحِ الوَاوِ، اسمٌ للمَاءِ، وَبِضَمِّهَا اسمٌ للفِعْلِ عَلَى الأَكْثَرِ، وَإِذَا كَانَ بِفَتْحِ الوَاوِ اسْمًا للمَاءِ - كَمَا ذكَرْنَاهُ - فَهَلْ هُوَ اسمٌ لمُطلَقِ المَاءِ أَو للْمَاءِ بقيْدِ كَوْنِهِ مُتَوَضَّئًا بِهِ، أَو مُعَدًّا لِلوُضُوءِ بِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ يَحْتَاجُ إِلَى كَشْفٍ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ فَائِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ، وَهُوَ أنَّهُ فِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ الَّتِي اسْتُدِلَّ بِهَا عَلَى أنَّ المَاءَ المُستَعْمَلَ طَاهِرٌ: قَولُ جَابِرٍ: (( فَصَبَّ عَلَيَّ مِن وَضُوئِهِ ) )، فَإِنَّا إِنْ جَعَلْنَا (( الوَضُوءَ ) )اسْمًا لِمُطْلَقِ المَاءِ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِ: (( فَصَبَّ عَلَيَّ مِن وَضُوئِهِ ) )دَلِِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ المَاءِ المُستَعْمَلِ؛ لأَنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: فَصَبَّ عَلَيَّ مِن مَائِهِ، وَلا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَاؤُهُ هُوَ الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِي أَعْضَائِهِ؛ لِأَنَّا نَتَكَلَّمُ عَلَى أنَّ (( الوَضُوءَ ) )اسمٌ لمُطْلَقِ المَاءِ، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ، جَازَ أَنْ يَكُونَ المُرَادُ بِوَضُوئِهِ فَضْلَةَ مَائِهِ الَّذِي تَوَضَّأَ بِبَعْضِهِ، لا مَا اسْتَعْمَلَهُ فِي أَعْضَائِهِ، فَلَا يَبْقَى فِيهِ دَلِيلٌ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِن طَهَارةِ المَاءِ المُستَعْمَلِ، وَإِنْ جَعَلْنَا (( الوَضُوءَ ) )بِالفَتْحِ المَاءَ مُقَيَّدًا بِالإِضَافَةِ إِلَى الوُضُوءِ - بِالضَّمِّ، أَعْنِي اسْتِعْمَالَهُ فِي الأَعْضَاءِ، أَوْ إِعْدَادَهُ لِذَلِكَ، فَهَهُنَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: فِيهِ دَلِيلٌ؛ لأَنَّ (( وَضُوءَهُ ) )بِالفَتْحِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ مَائِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت