242 -الحديثُ الثَّانِي: عن جابرٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: (( قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ بِالحَجَّ. فأَمَرَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً ) ).
حديثُ جابرٍ عَلَى أنهم أَحْرَمُوا بالحجِّ. ورَدُّوهُ إِلَى العمرةِ. وَقَدْ ذكرَنا أن مذهبَ الظاهريَّةِ جوازُه مطلقًا، وَهُوَ المَحْكِيُّ أَيْضًا عن أحمدَ.
وقولُه فِيْهِ: (( وَنَحْنُ نقولُ لبَّيْكَ بالحجِّ ) ). يدلُّ عَلَى أنهم أَحْرَمُوا بالحجِّ مُفْرَدًا، لكنَّه محمولٌ عَلَى بعضِهم؛ لِمَا وردَ فِي حديثٍ آخرَ عن جابرٍ (( فَمِنَّا مَن أَهَلَّ بحجٍّ، ومِنَّا مَن أَهَلَّ بعمرةٍ ) ).
243 -الحديثُ الثالثُ: عن عبدِ اللّهِ بنِ عبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: (( قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعةٍ. فأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوها عُمرَةً، فقالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الحِلِّ؟ قَالَ: الحِلُّ كلُّهُ ) ).
وحديثُ ابنِ عبَّاسٍ يدلُّ أَيْضًا عَلَى فَسْخِ الحجِّ إِلَى العمرةِ، وَفِيْهِ زيادةٌ أن التحلُّلَ بالعمرةِ تَحَلُّلٌ كاملٌ بالنسبةِ إِلَى جميعِ محظوراتِ الإحرامِ؛ لقولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للصحابةِ لَمَّا قالُوا: (( أيُّ الحلِّ؟ ) )قَالَ: (( الحلُّ كلُّه ) )وقولُ الصحابةِ كأنَّه لاستبعادِهم بَعْضَ أنواعِ الحلِّ. وَهُوَ الجماعُ المُفْسِدُ للإحرامِ، فَأُجِيبُوا بما يقتضِي التحلُّلَ المُطْلَقَ، وَالَّذِي يدلُّ عَلَى هَذَا: قولُهم فِي الحديثِ الآخرِ (( يَنْطَلِقُ أحدُنا إِلَى مِنىً، وَذَكَرُهُ يَقْطُرُ ) )وَهَذَا يُشْعِرُ بما ذكرْناه مِن استبعادِ التحلُّلِ المُبِيحِ للجماعِ.
244 -الحديثُ الرابعُ: عن عروةَ بنِ الزبيرِ قَالَ: (( سُئِلَ أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ - وأنَا جَالِسٌ - كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِيرُ حِيْنَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ العَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ ) ).
(( العَنَقُ ) )انْبِسَاطُ السَّيْرِ. وَ (( النَّصُّ ) )فَوْقَ ذَلِكَ.
حديثُ عروةَ بنِ الزبيرِ، عن أسامةَ لاَ يتعلَّقُ بِفَسْخِ الحجِّ إِلَى العمرةِ. وَقَدْ أَدْخَلَهُ المُصَنِّفُ فِي بابِه. و (( الْعَنَقُ ) )بفتحِ المهملةِ والنونِ. و (( النَّصُّ ) )بفتحِ النونِ وتشديدِ الصادِ المهملةِ: ضربانِ من السيرِ. والنصُّ أرفعُهما.
وَفِيْهِ دليلٌ عَلَى أَنَّهُ عندَ الازدحامِ كَانَ يَسْتَعْمِلُ السيرَ الأخفَّ، وعندَ وجودِ الفجوةِ - وَهُوَ المكانُ المُنْفَسِحُ - يَسْتَعْمِلُ السيرَ الأشدَّ. وَذَلِكَ باقتصادٍ، لِمَا جَاءَ فِي الحديثِ الآخرِ (( عَلَيْكُمْ السكينةَ ) ).
245 -الحديثُ الخامسُ: عن عبدِ اللّهِ بنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: (( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فَجْعَلُوا يَسْأَلونَهُ. فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ، وَجَاءَ آخرُ، فَقَالَ: لم أَشْعُرْ، فنَحَرْتُ قبلَ أَن أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمِ وَلاَ حرجَ، فَمَا سُئِلُ يَوْمَئذٍ عَنْ شَيءٍ قُدِّمَ وَلاَ أُخِّرَ إِلاَّ قَالَ: افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ ) ).
(( الشعورُ ) )العلمُ. وأصلُه: مِن المشاعرِ، وَهِيَ الحواسُّ، فكأنه يستندُ إِلَى الحواسِّ. و (( النحرُ ) )مَا يكونُ فِي اللَّبَّةِ. و (( الذبحُ ) )مَا يكونُ فِي الحَلْقِ. والوظائفُ يومَ النحرِ أربعةٌ: الرميُ، ثُمَّ نحرُ الهديِ أَوْ ذبحُه، ثُمَّ الحلقُ أَوْ التقصيرُ. ثُمَّ طوافُ الإفاضةِ. هَذَا هُوَ الترتيبُ المشروعُ فِيْهَا، ولم يَخْتَلِفُوا فِي طلبيَّةِ هَذَا الترتيبِ، وجوازِه عَلَى هَذَا الوجهِ، إِلاَّ أنَّ ابنَ الجهمِ - مِن المالكيةِ - يرى أن القارِنَ لاَ يجوزُ لَهُ الحلقُ قبلَ الطوافِ، وكأنه رأَى أن القارِنَ