يفعلُوا فعلًا يوجبُ ظنَّ السُّوءِ بهِِمْ، وإنْ كانَ لهُمْ فيهِ مَخْلَصٌ؛ لأنَّ ذلكَ تسبُّبٌ إِلَى إبطالِ الانتفاعِِ بعلمِهِمْ. وقد قالوا: إنَّه ينبغِي للحاكمِ أنْ يبيِّنَ وجهَ الحُكمِ للمحكومِ عليهِ إذا خفيَ عليهِ. وهوَ مِن بابِ نفْيِ التُّهمةِ بالنسبةِ إِلَى الجَوْرِ فِي الحُكمِ.
وَفِي الحديثِ دليلٌ: على هجومِ خواطرِ الشَّيطانِ على النَّفسِ؛ وما كانَ من ذلكَ غيرَ مقدورٍ على دفعهِ: لا يؤاخذُ بهِ. لقولهِ تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللهُ نفسًا إلا وُسعها) [البقرةِ: 286] ولقوله عليهِ الصلاةُ و السَّلامُ فِي الوسوسةِ التي يتعاظمُ الإنسانُ أنْ يتكلَّمَ بهَا: (( ذلكَ محضُ الإيمانِ ) )وقد فسَّروهُ: بأنَّ التعاظُمَ لذلكَ محضُ الإيمانِ. لا الوسوسةُ. كيفمَا كانَ، ففيهِ دليلٌ على أنَّ تلكَ الوسوسةَ لا يؤاخذُ بهَا. نَعَمْ فِي الفرقِ بينَ الوسوَسَةِ، التِي لا يؤاخذُ بهَا، وبينَ ما يقعُ شكًّا: إشكالٌ. واللهُ أعلمُ.
كتابُ الحَجِّ
بابُ المواقيتِ
213 -الحديثُ الأوَّلُ: عَن عبدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، رضيَ اللهُ عنهمَا: (( إِنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلأهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلأهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُم وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوَ الْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ ) ).
(( الحَجُّ ) )بفتحِ الحاءِ وكسرِها: القصدُ فِي اللغةِ، وَفِي الشرعِ: قصدٌ مخصوصٌ إِلَى محلٍّ مخصوصٍ، على وجهٍ مخصوصٍ.
وقولُهُ: (( وقَّتَ ) )قيلَ: إن التَّوقيتَ فِي الأصلِ ذكرُ الوقتِ، والصوابُ أن يقال َ: تعليقُ الحكمِ بالوقتِ، ثم استُعْمِلَ فِي التحديدِ للشيءِ مطلقًا؛ لأنَّ التوقيتَ تحديدٌ بالوقتِ، فيصيرُ التحديدُ من لوزامِ التَّوقيتِ، فيُطْلقُ عليهِ التوقيتُ.
وقولهُ ههنا: (( وَقَّتَ ) )يحتملُ أن يُرَادَ بهِ التحديدُ. أي حدَّ هذهِ المواضعَ للإحرامِ، ويحتملُ أن يُرادَ بذلكَ تعليقُ الإحرامِ بوقتِ الوصولِ إِلَى هذهِ الأماكنِ بشرطِِ إرادةِ الحجِّ أو العمرةِ. ومعنَى توقيتِ هذهِ الأماكنِ للإحرامِ أنهُ لا يجوزُ مُجاوزَتُها لمريدِِ الحجِّ، أو العمرةِ إلا مُحْرِمًا، وإن لم يكنْ فِي لفظةِ (( وقَّتَ ) )من حيث هي تصريحٌ بالوجوبِ، فقد وردَ فِي غيرِ هذهِ الروايةِ: (( يُهِلُّ أهلُ المدينةِ ) )وهي صيغةُ خَبرٍ، يُرادُ به الأمرُ ووردَ أيضًا فِي بعض الرِّواياتِ لفظةُ الأمرِ، وَفِي ذكرِ هذهِ المواقيتِ مسائلُ:
الأولى: أنَّ توقيتَها متَّفقٌ عليهِ لأربابِ هذهِ الأماكنِ ,ِ وأمَّا إيجابُ الدَّمِ لمجاوزتِها عندَ الجمهورِ, فمِن غيرِ هذَا الحديث , ونُقِلَ عن بعضِهم أنَّ مُجاوِزَها لَا يَصِحُّ حَجُّهُ
وَلَهُ إِلْمَامٌ بِهَذَا الحَدِيثِ مِن وَجْهٍ وَكَأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مُقَدِّمَةٍ أُخْرَى مِن حَدِيثٍ آخَرَ أَوْ غَيْرِهِ
الثَّانِيَةُ: (( ذُو الحُلَيْفَةِ ) )بِضَمِّ الحَاءِ المُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ اللَّامِ، أَبْعَدُ المَوَاقِيتِ مِن مَكَّةَ، وَهِيَ عَلَى عَشْرِ مَرَاحِلَ أوْ تِسْعٍ مِنْهَا.
و (( الجُحْفَةُ ) )بِضَمِّ الجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ.
قيلَ: سُمِّيتْ بذلكَ؛ لأن السَّيلَ اجتحَفهَا فِي بعضِ الزَّمانِ، وهيَ على ثلاثِ مراحلَ من مكةَ، ويقالُ لهَا: