فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 381

وَالحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الإيِتَارِ فِي لَفْظِ الإِقَامَةِ. وَيَخْرجُ عَنْهُ التَّكْبِيرُ الأَوَّلُ، فَإِنَّهُ مَثْنىَ، والتَّكْبِيرُ الأخيرُ أيضًا. وَخَالَفَ أبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ: بِأَنَّ أَلْفَاظَ الإِقَامَةِ كَالأَذانِ مُثَنَّاةٌ. وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي مَوضِعٍ وَاحِدٍ. وَهُوَ لَفْظُ (( قدْ قَامِتْ الصَّلاةُ ) )فَقَالَ مَالِكٌ: يُفْردُ. وَظَاهِرُ هَذَا الحَدِيثِ يَدُلُّ لَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُثنَّى، للحَدِيثِ الآخَرِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَهُو قَولُهُ: أُمِرَ بِلالٌ بِأنْ يشفعَ الأذَانَ ويُوتِرَ الإقَامَةَ، إِلَّا الإِقَامَةَ , أي إِلا لَفْظَ (( قَدْ قَامَت الصَّلاةُ ) ). وَمَذْهَبُ مَالِكٍ - مَعَ مَا مَرَّ مِن الحَدِيثِِ - قَد أُيِّدَ بِعَمَلِ أَهْلِ المَدينةِ ونَقْلِهِمْ. وَفِعْلُهْم فِي هَذَا قَوِىٌّ لأنَّ طَرِيقَةَ النَّقْلِ وَالعَادَةِ فِي مِثْلِهِ: تَقْتَضِي شُيُوعَ العَمَلِ. فَإِنَّهُ لَو كَانَ تَغَيَّرَ لَعُلِمَ وعُمِلَ بِهِ. وَقَد اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي أنَّ إِجْمَاعَ أَهْلِ المَدِينَةِ حُجَّةٌ مُطْلقًا فِي مَسَائِلِ الاجْتِهَادِ. أَو يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ وَالانْتِشَارُ، كَالأذَانِ وَالإقامةِ والصَّاعِ والمُدِّ، وَالأوقاتِ، وَعَدمِ أَخْذِ الزَّكَاةِ مِن الخُضْرَواتِ؟ فَقَالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِنْهُمْ: والصَّحيحُ التَّعْمِيمُ. وَمَا قَالَهُ غَيْرُ صَحيحٍ عِنْدَنَا جَزمًا. ولا فَرْقَ فِي مَسَائِلِ الاجْتِهَادِ بَينَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِن العُلَمَاءِ؛ إذْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى عِصْمَةِ بَعْضِ الأُمَّةِ.

نَعَمْ مَا طَرِيقُةُ النَقْلُ إِذَا عُلِمَ اتِّصَالُهُ، وَعَدَمُ تَغَيُّرِهِ، وَاقْتَضَت العَادَةُ مَشْرُوعِيَّتَهُ مِن صَاحِبِ الشَّرْعِ، وَلو بِالتَّقْرِيرِ عَليهِ - فَالاسْتِدْلالُ بِهِ قَوِيٌّ يَرْجِعُ إِلى أَمْرٍ عَادِيٍّ وَاللهُ أَعْلَمُ.

وَقَد يُسْتَدَلُّ بِهَذَا الحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ الأَذَانِ مِن حَيْثُ إنَّهُ إِذَا أُمِرَ بِالوَصْفِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الأَصْلُ مَأمُورًا بِهِ. وَظَاهِرُ الأَمْرِ: الوُجُوبُ.

وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اختُلِفَ فِيهَا. وَالمَشْهُورُ: أنَّ الأَذَانَ وَالإِقَامَةَ سُنَّتَانِ. وَقِيلَ: هُمَا فَرْضَانِ عَلَى الكِفَايَةِ. وَهُوَ قَولُ الأَصْطَخْرِيِّ مِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَد يَكُونُ لَهُ مُتَمَسَّكٌ بِهَذَا الحَدِيثِ كَما قُلنَا.

65 -الحَدِيثُ الثَّانِي: عَن أبي جُحَيفَةَ وَهْبِ بنِ عبدِ اللهِ السُّوَائيِّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُو فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْراءَ مِن أَدَمٍ - قَالَ: فَخَرَجَ بِلاَلٌ بوَضُوءٍ، فَمِن نَاضِحٍ وَنَائِلٍ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْراءُ، كَأنِّي أَنْظُرُ إلى بَيَاضِ سَاقَيْهِ، قَالَ: فَتَوَضَّأَ وَأَذَّنَ بِلالٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنا وَهَهُنَا، يَقُولُ يَمينًا وشِمَالًا: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ؛ حَيَّ عَلَى الفَلاحِ، ثمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ وصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إلى المَدِينَةِ.

قَولُهُ: عنْ أبِي جُحَيفَةَ وَهْبِ بنِ عبدِ اللهِ هُوَ المَشْهُورُ. وَقِيلَ: وَهْبُ بنُ جَابِرٍ. وَقِيلَ: وَهْبُ بنُ وَهبٍ، وَالسُّوَائيُّ فِي نَسَبِهِ - مَضَمُومُ السِّينِ مَمْدُودٌ - نِسْبَةً إِلى سُواءَةَ بنِ عَامرِ بنِ صَعْصَعَةَ. مَاتَ فِي إِمَارَةِ بِشْرِ بنِ مَرْوانَ بِالكُوفَةِ وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ. وَالكَلامُ عَلَيهِ مِن وُجُوهٍ.

أحَدُهُا: قَولُهُ: فَخَرَجَ بِلاَلٌ بِوَضُوءٍ , بِفَتْحِ الوَاوِ بِمَعْنَى المَاءِ، وَهَلْ هُوَ اسْمٌ لِمُطلَقِ المَاءِ، أو بِقَيدِ الإضَافَةِ إلى الوُضُوءِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، قَد مَرَّ.

وَقَولُهُ: فمِنْ نَاضِحٍ ونَائِلٍ , النَّضْحُ: الرَّشُّ. قِيلَ: مَعْنَاهُ أنَّ بَعْضَهُم كَانَ ينَالُ مِنهُ مَا لا يَفْضُلُ مِنْهُ شَيءٌ. وَبَعضُهمْ كَانَ ينَالُ مِنْهُ مَا يَنْضَحُ عَلَى غَيْرِه. وَتَشْهَدُ لَهُ الرِّوَايةُ الأخْرَى فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: فَرَأَيتُ بِلالًا أَخْرَجَ وَضُوءًا. فَرَأيتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الوَضُوءَ. فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيئًا تَمَسَّحَ بِهِ. وَمَن لَم يُصِبْ مِنهُ أخَذَ مِن بَلَلِ يَدِ صَاحِبِِِهِ )) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت