فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 381

الأوَّلِ المتعلِّقِ بالمسائلِ الدينيَّةِ، أَوْ يجعلَ النهيَ دالاًّ عَلَى المرتبةِ الأشدِّيَّةِ مِن الكراهةِ.

وتخصيصُ العقوقِ بالأمَّهاتِ مَعَ امتناعِه فِي الآباءِ أَيْضًا، لأجلِ شدَّةِ حقوقهنَّ، ورُجحانِ الأمرِ بِبِرِّهنَّ بالنِّسبةِ إِلَى الآباءِ، وَهَذَا مِن بابِ تخصيصِ الشَّيءِ بالذِّكرِ لإِظهارِ عظَمِهِ فِي المنعِ إنْ كَانَ ممنوعًا، وشرفِه إنْ كَانَ مأمورًا بِهِ، وَقَدْ يُراعَى فِي موضعٍ آخرَ التنبيهُ بذكرِ الأدنَى عَلَى الأعلَى، فيخصُّ الأدنَى بالذِّكرِ، وَذَلِكَ بحسبِ اختلافِ المقصودِ.

و (( وَأْدُ البناتِ ) )عبارةٌ عن دفنِهنَّ مَعَ الحياةِ، وَهَذَا التَّخْصيصُ بالذِّكرِ لأنهُ كَانَ هُوَ الواقعُ فِي الجاهليةِ، فتوجَّهَ النَّهيُ إِلَيْهِ، لأنَّ الحكمَ مخصوصٌ بالبناتِ.

(( ومنعٍ وهاتِ ) )راجعٌ إِلَى السؤالِ مَعَ ضميمةِ النَّهيِ عنِ المنعِ، وَهَذَا يحتملُ وجهينِ: أحدهما: أن يكونَ المنعُ حَيْثُ يؤمرُ بالإِعطاءِ، وعنِ السؤال حَيْثُ يمنعُ مِنْهُ، فيكونُ كلُّ واحدٍ مخصوصًا بصورةٍ غيرِ صورةِ الآخرِ.

وَالثَّانِي: أنْ يجتمعَا فِي صورةٍ واحدةٍ، وَلاَ تَعَارُضَ بينهمَا، فيكونُ وظيفةُ الطَّالبِ أنْ لاَ يسألَ، ووظيفةُ المُعطي أنْ لاَ يمنعَ إنْ وقعَ السُّؤالُ، وَهَذَا لابدَّ أنْ يستثنَى مِنْهُ مَا إِذَا كَانَ المطلوبُ محرَّمًا عَلَى الطَّالبِ، فإنهُ يَمتنعُ عَلَى المُعطِي إعطاؤُه لكونِهِ مُعينًا عَلَى الإِثمِ، ويُحتملُ أنْ يكونَ الحديثُ مَحمولًا عَلَى الكثرةِ من السُّؤالِ، واللهُ أعلمُ.

131 -الحديثُ الثالثُ: عَنْ سُميٍّ - مولَى أبي بكرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بن الحارثِ بنِ هشامٍ - عنْ أبي صالحٍ السَّمَّانِ، عنْ أَبِي هُريرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ فُقَراءَ المُسْلمِيِن أَتَوْا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثورِ بالدَّرَجاتِ الْعُلاَ والنَّعِيمِ المُقيمِ، قَالَ: (( وَمَا ذَاكَ؟ ) )قالوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلاَ نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلاَ نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَفَلاَ أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلاَ يَكُونَ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إِلاَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ ) )قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (( تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثًا وَثَلاَثيِنَ مَرَّةً ) ). قَالَ أَبُو صالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ المُهاجِرِينَ، فقالُوا: سمِعَ إِخْوانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيه مَنْ يشاءُ ) ).

قَالَ سُمَيٌّ: فحدَّثْتُ بعْضَ أَهْلِي بِهَذَا الحدِيثِ، فَقَالَ: وَهِمْتَ إِنَّمَا قَالَ لَكَ: تُسبِّحُ اللهَ ثَلاَثًا وَثَلاَثَيِنَ، وَتَحمَدُ اللهَ ثَلاثًا وَثَلاَثيِنَ، وَتُكَبِّرُ ثَلاَثًا وَثَلاَثيِنَ، فَرَجعْتُ إِلَى أَبِي صالِحٍ، فَقُلتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: قُل: اللهُ أَكْبرُ، وَسُبْحانَ اللهِ، والْحمدُ للهِ، حَتَّى تَبْلُغ مِنْ جَمِيْعِهنَّ ثَلاَثًا وَثَلاَثيِنَ.

الحديثُ يتعلَّقُ بالمسألةِ المشهورةِ بالتفضيلِ بَيْنَ الغنيِّ الشَّاكرِ والفقيرِ الصَّابرِ، وَقَد اشتهرَ فيهَا الخلافُ، والفقراءُ ذَكرُوا للرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يقتضِي تفضيلَ الأغنياءِ بسببِ القُرباتِ المتعلِّقةِ بالمالِ، وأقرَّهُم النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ، ولكنْ علَّمَهُمْ مَا يقومُ مقامَ تِلكَ الزيادةِ، فَلَمَّا قالهَا الأغنياءُ ساوَوْهُم فيهَا، وبقيَ معَهُم رجحانُ قرباتِ الأموالِ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلامُ: (( ذَلِكَ فضلُ اللهِ يؤتيهِ مَن يَشَاءُ ) )، فظاهرُه القريبُ مِن النَّصِّ أنه فَضَّلَ الأغنياءَ بزيادةِ القُرباتِ الماليةِ. وبعضُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت