فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 381

الحديثِ فِي ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إنهُ يقعُ بعدَ الزَّوالِ الخطبتانِ والصَّلاةُ، مَعَ مَا رُوِيَ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( كَانَ يقرأُ فيهَا بـ (( الجمعةِ: وَالْمُنَافقِينَ ) )، وذلك يقتضِي زمانًا يمتدُّ فيه الظِّلُّ، فَحَيْثُ كانوا ينصرفونَ مِنْهَا، وَلَيْسَ للحيطانِ فَيْءٌ يُستظلُّ بِهِ، فربَّمَا اقتضَى ذَلِكَ أنْ تكونَ واقعةً قبلَ الزَّوالِ، أَوْ خطبتاهَا أَوْ بعضُهما، واللفظُ الثَّانِي مِن هَذَا يبيَّنُ أنهَا بعدَ الزَّوالِ.

واعلمْ أنَّ قولَه: وَلَيْسَ للْحِيطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ بِهِ, لاَ ينفِي أصلَ الظِّلِّ، بل يَنفي ظلاًّ يستظلُّونَ بِهِ، وَلاَ يلزمُ مِن نَفِيِ الأخصِّ نفيُ الأعمِّ، ولم يُجْزَمْ بأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يقرأُ بـ (( الجمعةِ ) ) (( والمنافقينَ ) )دائما، وَإِنَّمَا كَانَ يقتضِي ذَلِكَ مَا تُوُهِّم لَوْ كَانَ نَفَى أصلَ الظِّلِّ، عَلَى أنَّ أهلَ الحسابِ يقولونَ: إنَّ عرضَ المدينةِ خمسٌ وعشرونَ درجةً، أَوْ مَا يقاربُ ذَلِكَ، فَإِذَا غايةُ الارتفاعِ تكونُ تسعةً وثمانينَ، فَلاَ تسامتُ الشمسُ الرؤوسَ، فَإِذَا لمْ تسامتِ الرُّؤوسَ لمْ يكنْ ظلُّ القائمِ تحتَهُ حقيقةً، بل لابدَّ لَهُ مِن ظلٍّ، فامتنعَ أنْ يكونَ المرادُ نفيَ أصلِ الظِّلِّ، والمرادُ ظلٌّ يكِفي أبدانَهم للاستظلالِ، وَلاَ يلزمُ مِن ذَلِكَ وقوعُ الصَّلاةِ وَلاَ شيءٌ منْ خطبتيها قبلَ الزوالِ.

وقولُه: (( نُجَمِّعُ ) )بفتحِ الجيمِ وتشديدِ الميمِ المكسورةِ، أي نقيمُ الجُمعةَ، واسمُ (( الفيءِ ) )قِيلَ: هُوَ مخصوصٌ بالظِّلِّ الَّذِي بعدَ الزَّوالِ، فإِنْ أُطْلِقَ عَلَى مُطلقِ الظلِّ فمجازٌ، لأنهُ مِن فاءَ يفيءُ إِذَا رجعَ، وذلك فيما بعدَ الزَّوالِ.

142 -الحديثُ الثَّامنُ: عن أبي هريرةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ (المَ تَنْزِيلُ) [السجدةِ: 1، 2] ، وَ (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ) [الإنسانِ: 1] )) .

فيه دليلٌ عَلَى استحبابِ قراءةِ هاتينِ السُّورتينِ فِي هَذَا المحلِّ، وكرهَ مالكٌ للإمامِ قراءةَ السَّجدةِ فِي صلاةِ الفرضِ، خشيَةَ التَّخليطِ عَلَى المأمومينَ، وخصَّ بعضُ أصحابِه الكراهةَ بصلاةِ السِّرِّ، فَعَلَى هَذَا لاَ يكونُ مخالفًا لمقتضَى هَذَا الحديثِ، وَفِي المواظبةِ عَلَى ذَلِكَ دائمًا أمرٌ آخرُ، وَهُوَ أنهُ ربَّمَا أدَّى الجُهَّالَ إِلَى اعتقادِ أنَّ ذَلِكَ فرضٌ فِي هَذِهِ الصَّلاةِ، ومِن مذهبِ مالكٍ حسمُ مادَّةِ هَذِهِ الذريعةِ، فَالَّذِي ينبِغي أنْ يقالَ: أمَّا القولُ بالكراهةِ مُطلقًا، فيأباهُ الحديثُ، وَإِذَا انتهَى الحالُ إِلَى أن تقعَ هَذِهِ المفسدةُ، فينبغِي أنْ تتركَ فِي بعضِ الأوقاتِ، دفعًا لِهَذِهِ المفسدةِ, وَلَيْسَ فِي هَذَا الحديثِ مَا يقتضِي فعلَ ذَلِكَ دائمًا اقتضاءً قويًّا، وَعَلَى كلِّ حالٍ فَهُوَ مستحبٌّ، فَقَدْ يُتركُ المستحبُّ لدفعِ المفسدةِ المتوقَّعةِ، وَهَذَا المقصودُ يحصلُ بالتَّركِ فِي بعضِ الأوقاتِ، لاسيمَا إِذَا كَانَ بحضرةِ الجهالِ، ومن يُخافُ مِنْهُ وقوعُ هَذَا الاعتقادِ الفاسدِ.

143 -الحديثُ الأوَّلُ: عن عبدِ الله بنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ العِيدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ.

لاَ خلافَ فِي أنَّ صلاةَ العيدينِ مِن الشَّعائرِ المطلوبةِ شرعًا، وَقَدْ تواترَ بِهَا النقلُ الَّذِي يقطعُ العذرَ، ويُغنِي عن أخبارِ الآحادِ، وإنْ كَانَ هَذَا الحديثُ مِن آحادِ مَا يدلُّ عليهَا، وَقَدْ كَانَ للجاهليةِ يومانِ مُعَدَّانِ للَّعبِ، فأبدلَ اللهُ المسلمينَ منهُمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت