فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 381

يقتضيهِ القياسُ أنَّ مَا سُمِّيَ كلامًا فَهُوَ داخلٌ تحتَ اللَّفظِ، وَمَا لاَ يُسمَّى كلامًا، فمنْ أراَدَ إِلحَاقَهُ بِهِ كَانَ ذَلِكَ بطريقِ القياسِ، فليُراعَ شرطُهُ فِي مساواةِ الفرعِ للأصلِ، أَوْ زيادتِهِ عَلَيْهِ، واعتبرَ أصحابُ الشَّافعيِّ ظهورَ حرفينِ، وإنْ لمْ يكونَا مُفهَمَيْنِ، فإنَّ أقلَّ الكلامِ حرفانِ.

ولقائِلٍ أنْ يقولَ: لَيْسَ يلزمُ من كونِ الحرفينِ يتألَّفُ منهمَا الكلامُ أنْ يكونَ كلُّ حرفينِ كلامًا، وَإِذَا لمْ يكنْ كلامًا فالإِبطالُ بِهِ لاَ يكونُ بالنَّصِّ، بلْ بالقياسِ عَلَى مَا ذكرنَا، فليراعَ شرطُهُ، اللهمَّ إلاَّ أنْ يُريدَ بالكلامِ كلَّ مركَّبٍ مُفْهِمًا كَانَ أَوْ غير مفهِمٍ، فحينئذٍ يندرجُ المتنازَعُ فيهِ تحتَ اللَّفظِ، إلاَّ أنَّ فيهِ بحثًا.

والأقربُ أنْ ينظرَ إِلَى مواقِع الإِجماعِ والخلافِ، حَيْثُ لاَ يُسمَّى الملفوظُ بِهِ كلامًا، فَمَا أُجمِعَ عَلَى إلحاقهِ بالكلامِ ألحقناهُ بِهِ، وَمَا لمْ يُجمعْ عَلَيْهِ - مَعَ كونِهِ لاَ يُسمَّى كلامًا - فيقوَى فيه عدمُ الإِبطالِ، ومِنْ هَذَا استُبعِدَ القولُ بإلحاقِ النَّفخِ بالكلامِ، ومِن ضعيفِ التَّعليلِ فيهِ قولُ مَنْ علَّلَ البطلانَ بِهِ بأنَّهُ يشبهُ الكلامَ، وَهَذَا ركيكٌ مَعَ ثبوتِ السُّنَّةِ الصَّحيحةِ أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفخَ فِي صلاةِ الكسوفِ فِي سجودهِ، وَهَذَا البحثُ كلُّه فِي الاستدلالِ بتحريمِ الكلامِ.

114 -الحديثُ الثَّالثُ: عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وأبي هريرةَ، رضيَ اللهُ عنهمْ، عنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قَالَ: (( إِذَا اشْتدَّ الْحرُّ فأبرِدُوا بالصَّلاةِ، فإنَّ شدَّةَ الْحرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ) ).

الكلامُ عَلَيْهِ من وجوهٍ:

أحدُها (( الإِبرادُ ) )أنْ تؤخَّرَ الصلاةُ عنْ أوَّلِ الوقتِ مقدارَ مَا يظهرُ للحيطانِ ظلٌّ، وَلاَ يحتاجُ إِلَى المشِي فِي الشَّمسِ، هَذَا مَا ذكرهُ بعضُ مصنِّفِي الشَّافعيَّةِ، وعندَ المالكيَّةِ يُؤخَّرُ الظُّهرُ إِلَى أن يَصيرَ الفيءُ أكثرَ مِن ذراعٍ.

الثَّانِي: اختلفَ الفقهاءُ فِي الإِبرادِ بالظُّهرِ فِي شدَّةِ الحرِّ هلْ هُوَ سنَّةٌ أَوْ رُخصةٌ، وعبَّرَ بعضُهمْ بأنْ قَالَ: هل الأفضلُ التَّقديمُ أَوْ الإِبرادُ؟ وبَنْوا عَلَى ذَلِكَ أنَّ منْ صلَّى فِي بيتِه أَوْ مشَى فِي ركِنٍ إِلَى المَسجدِ هلْ يُسنُّ لَهُ الإِبرادُ؟ فإنْ قُلْنَا: إنهُ رُخصةٌ لم يسنَّ، إذ لاَ مشقَّةَ عَلَيْهِ فِي التَّعجيلِ، وإنْ قُلْنَا: إنه سُنَّةٌ أبردَ، والأقربُ أنه سُنَّةٌ، لورود الأمر بِهِ، مَعَ مَا اقترنَ بِهِ من العلةِ، وَهُوَ أنَّ (( شدَّةَ الْحرِّ مِنْ فَيْح جَهَنَّم ) )، وَذَلِكَ مناسبٌ للتأخيرِ، والأحاديثُ الدالَّةُ عَلَى فضيلةِ التَّعجيلِ عامَّةٌ أَوْ مطلقةٌ، وَهَذَا خاصٌّ، وَلاَ مبالاةَ - مَعَ مَا ذكرناهُ مِن صيغةِ الأمرِ ومناسبةِ العلَّةِ - بقولِ مَن قَالَ: إنَّ التعجيلَ أفضلُ، لأنهُ أكثرُ مشقَّةً، فإنَّ مراتبَ الثَّوابِ إِنَّمَا يُرجعُ فيهَا إِلَى النُّصوصِ، وَقَدْ يترجَّحُ بعضُ العبادةِ الخفيفةِ عَلَى مَا هُوَ أشقُّ مِنْهَا بحسبِ المصالحِ المتعلِّقةِ بِهَا.

الثالثُ: اختلفَ أصحابُ الشَّافعيِّ فِي الإِبرادِ بالجمعةِ، عَلَى وجهينِ، وَقَدْ يؤخذُ مِن الحديثِ الإِبرادُ بِهَا من وجهينِ، أحدُهما. لفظةُ (( الصَّلاةِ ) )فإنها تطلقُ عَلَى الظُّهرِ والجمعةِ. والثَّاني: التَّعليلُ، فإنه مُستمِرٌّ فيهَا، وَقَدْ وُجِّهَ القولُ بأنهُ لاَ يُبردُ بِهَا، لأنَّ التَّبْكيرَ سُنَّةٌ فيهَا، وجوابُ هَذَا مَا تقدَّمَ، وبأنهُ قَدْ يحصلُ التأذِّي بحرِّ المسجدِ عندَ انتظارِ الإِمامِ.

115 -الحديثُ الرَّابعُ: عنْ أنسِ بنِ مالكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ نسِيَ صلاةً فلْيُصلِّها إِذَا ذكَرهَا، لاَ كفَّارةَ لَهَا إلاَّ ذَلِكَ(وأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْري) [طه: 14] )). ولِمُسْلمٍ: (( مَنْ نسِيَ صلاةً، أَوْ نامَ عَنْهَا، فكفَّارتُها أنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت