فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 381

و (( السُّبْحَةُ صلاةُ النافلةِ عَلَى المشهورِ والمسألةُ مُعَبَّرٌ عَنْهَا بوجوبِ الموالاةِ بَيْنَ صَلَاتِي الجمعِ. والمَنْقُولُ عن ابنِ حبيبٍ مِن أصحابِ مَالكٍ: أن لَهُ أن يتنفَّلَ. أعني للجامعِ بَيْنَ الصلاتينِ. ومذهبُ الشَّافعيِّ: أن الموالاةَ بَيْنَ الصلاتينِ شرطٌ فِي جمعِ التقديمِ. وَفِيْهَا فِي جمعِ التأخيرِ خلافٌ؛ لأن الوقتَ للصلاةِ الثانيةِ، فجازَ تَأْخِيرُها. وَإِذَا قُلْنَا بوجوبِ الموالاةِ فَلاَ يَقْطَعُها قدرُ الإقامةِ، وَلاَ قدرُ التيمُّمِ لمن يتيمَّمُ، وَلاَ قدرُ الأذانِ لمن يقولُ بالأذانِ لكلِّ واحدةٍ مِن صَلَاتي الجمعِ. وَقَدْ حَكَيْنَاهُ وجهًا لبعضِ الشافعيةِ. وَهُوَ قولٌ فِي مذهبِ مَالكٍ أَيْضًا فَمَنْ أرادَ أن يستدلَّ بالحديثِ عَلَى عدمِ جوازِ التنفُّلِ بَيْنَ صَلَاتَي الجمعِ؟ فلِمُخَالِفِه أن يقولَ: هُوَ فِعْلٌ، والفعلُ بِمُجَرَّدِهِ لاَ يدلُّ عَلَى الوجوبِ، ويحتاجُ إِلَى ضميمةِ أمرٍ آخرَ إليه. وَمِمَّا يُؤَكِّدُه - أعني: كلامَ المُخَالِفِ - أن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يَتَنَفَّلْ بعدَهما، كَمَا فِي الحديثِ، مَعَ أَنَّهُ لاَ خلافَ فِي جوازِ ذَلِكَ. فَيُشْعِرُ ذَلِكَ بأنَّ تَرْكَ التنفُّلِ لم يكن لِمَا ذَكَرَ مِن وجوبِ الموالاةِ. وَقَدْ وَرَدَ بَعْضُ الرواياتِ (( أَنَّهُ فصَلَ بَيْنَ هاتينِ الصلاتينِ بحطِّ الرحالِ ) )وَهُوَ يحتاجُ إِلَى مسافةٍ فِي الوقتِ، ويدلُّ عَلَى جوازِ التأخيرِ. وَقَدْ تَكَرَّرَ مِن المُصَنِّفِ إيرادُ أحاديثَ فِي هَذَا البابِ لاَ تناسبُ ترجمتَه.

252 -الحديثُ الأَوَّلُ: عن أبِي قتادةَ الأنصاريِّ، أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حَاجًّا، فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ - فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ - وَقَالَ: خُذُوا سَاحِلَ البَحْرِ، حَتَّى نَلْتَقِيَ، فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كلُّهُمْ، إِلاَّ أَبَا قَتَادَةَ، فَلَمْ يُحْرِمْ، فَبَيْنَما هُمْ يَسِيرُونَ، إِذ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أَنأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ , وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِها، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا , أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قالُوا: لاَ. قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِي مِنْ لَحْمِهَا )) . وَفِي روايةٍ: (( قَالَ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ فقلتُ: نَعَمْ. فَنَاوَلْتُهُ العَضُدَ، فأَكَلَ مِنْهَا ) ).

تَكَلَّمُوا فِي كونِ أبِي قتادةَ لم يكنْ مُحْرِمًا، مَعَ كونِهم خَرَجُوا للحجِّ، وَمَرُّوا بالميقاتِ، ومن كَانَ كَذَلِكَ وجبَ عَلَيْهِ الإِحرامُ مِن الميقاتِ، وَأُجِيبَ بوجوهٍ: مِنْهَا مَا دلَّ عَلَيْهِ أَوَّلُ هَذَا الحديثِ، مِن أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى جهةٍ أخرى لكشفِها، وَكَانَ الالتقاءُ بعدَ مُضِيِّ مكانِ الميقاتِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ قبلَ توقيتِ المواقيتِ.

و (( الْأَتَانُ ) )الأُنْثَى مِن الحُمُرِ، وقولُهم: (( نأْكلُ مِن لَحْمِ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ ) ). ورجوعُهم إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ دليلٌ عَلَى أمرينِ: أحدُهما: جوازُ الاجتهادِ فِي زمنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنَّهُم أَكَلُوه باجتهادٍ، وَالثَّانِي: وجوبُ الرجوعِ إِلَى النصوصِ عندَ تَعَارُضِ الأشباهِ والاحتمالاتِ.

وقولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ ) ). فِيْهِ دليلٌ عَلَى أنهم لَوْ فعلُوا ذَلِكَ لكانَ سببًا للمَنْعِ.

وقولُه عَلَيْهِ السَّلامُ: (( فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا ) ). دليلٌ عَلَى جوازِ أَكْلِ المُحْرِمِ لَحْمَ الصيدِ، إِذَا لم يَكُنْ مِنْهُ دلالةٌ وَلاَ إشارةٌ، وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَكْلِ المُحْرِمِ لحمَ الصيدِ عَلَى مذاهبَ: أحدُها: أَنَّهُ ممنوعٌ مطلقًا، صِيدَ لأجلِه أَوْ لاَ، وَهَذَا مذكورٌ عن بَعْضِ السلفِ، ودليلُه حديثُ الصَّعْبِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُه. وَالثَّانِي: أَنَّهُ ممنوعٌ إن صادَه أَوْ صِيدَ لأجلِه، سواءٌ كَانَ بإذنِه أَوْ بغيرِ إذنِه، وَهُوَ مذهبُ مَالكٍ وَالشَّافعيِّ. والثالثُ: أَنَّهُ إن كَانَ باصطيادِه، أَوْ بإذنِه، أَوْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت