فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 381

مواظبةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليهَا لا ينافِي استحبابَها، لأنَّ الاستحبابَ يقومُ بدلالةِ القولِ، وليسَ من شرطِ الحُكمِ: أنْ تتضافرَ عليهِ الدلائلُ، نَعَمْ، ما واظبَ عليهِ الرَّسولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تترجَّحُ مرتبتُه على هذَا ظاهرًا.

وأما النومُ عن الوترِ: فقد تقدَّم فِي هذا كلامٌ فِي تأخيرِ الوِترِ وتقديمِه، ووردَ فيهِ حديثٌ يقتضِي الفرقَ بينَ مَن وَثِقَ مِن نفسِه بالقيامِ آخرَ الْلَيلِ، وبينَ مَن لم يثقْ، فعلى هذَا تكونُ الوصيَّةُ مخصوصةً بحالِ أبى هريرةَ ومَن وافقَهُ فِي حالِه.

201 -الحديثُ الرابعُ: عن محمَّدِ بنِ عَبَّادِ بنِ جعفرٍ، قال: سألْتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ أنَهى النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قالَ: نَعَمْ. وزادَ مسلمٌ: وَرَبِّ الكَعْبَةِ.

النَّهيُ عنْ صومِ يومِ الجُمعةِ محمولٌ على صومِه مفردًا، كما تبيَّنَ فِي موضعٍ آخرَ, ولعلَّ سببَهُ: أنْ لا يُخصَّ يومٌ بعينهِ بِعِبَادَةٍ معينَّةٍ، لما فِي التَّخصيصِ من التَّشبُّهِ باليهودِ فِي تخصيصِ السَّبتِ بالتجرُّدِ عنِ الأعمالِ الدُّنيويَّةِ، إلاَّ أنَّ هذا ضعيفٌ؛ لأنَّ اليهودَ لا يخصُّونَ يومَ السبتِ بخصوصِ الصُّومِ، فلاَ يقوَى التشبُّهُ بهمْ، بل تركُ الأعمالِ الدُّنيويَّةِ أقربُ إلي التشبُّهِ بهم ولم يَرِدْ به النهيُ, وإنَّما تؤخذُ كَرَاهتُه مِن كراهةِ التشبُّهِ بالكفارِ، ومَن قالَ: بأنَّهُ يُكرهُ التَّخصيصُ ليومٍ معيَّنٍ، فقدْ أبطلَ تخصيصَ يومِ الجمعةِ، ولعلَّهُ ينضمُّ إِلَى ما ذكرنَا من المعنَى: أنَّ اليومَ لمَّا كانَ فضيلًا جدًّا على الأيامِ، وهو يومُ عيدِ هذهِ المِلَّةِ، كانَ الدَّاعِي إِلَى صومِه قويًّا، فنُهىَ عنهُ حمايةَ أن يتتابعَ النَّاسُ فِي صومِه، فيحصلَ فيهِ التشبُّهُ، أو محذورُ إلحاقِ العوامِّ إياه بالواجباتِ إذا أُدِيمَ وتتابعَ الناسُ على صومِهِ، فيُلحِقُونَ بالشَّرعِ ما ليسَ منهُ، وأجازَ مالكٌ صومَه مفردًا، وقال بعضُهم: لم يبلغْهُ الحديثُ، أو لعلَّهُ لمْ يبلغْهُ.

202 -الحديثُ الخامسُ: عنْ أبي هريرةَ، رضيَ اللهُ عنهُ، قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: (( لاَ يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلاَّ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ ) ).

حديثُ أبي هريرةَ يبيِّن المطلقَ فِي الرِّوايةِ الأُولَى، ويوضِّحُ أن المُرادَ إفرادُه بالصَّومِ، ويظهرُ منهُ: أنَّ العلَّةَ هِيَ الإفرادُ بالصَّومِ، ويبقَى النَّظرُ: هلْ ذلكَ مخصوصٌ بهذا اليومِ، أم نعدِّيهِ إِلَى قصدِ غيرِه بالتَّخصيصِ بالصَّومِ؟ وقد أشرنَا إِلَى الفرقِ بينَ تخصيصِهِ وتخصيصِ غيرِه بأنَّ الداعيَ ههنَا إِلَى تَخصيصِه عامٌّ بالنسبةِ إِلَى كلِّ الأمَّةِ، فالدَّاعِي إِلَى حِمايةِ الذَّريعةِ فيهِ أقوَى من غيرهِ. فمِنْ هذَا الوجهِ: يُمكنُ تخصيصُ النَّهيِ بهِ، ولو قدَّرنا أنَّ العلَّةَ تقتضِي عمومَ النَّهيِ عنِ التَّخصيصِ بصومِ غيرِه، ووردتْ دلائلُ تقتضِي تخصيصَ البعضِ باستحبابِ صومِه بعينهِ: لكانتْ مقدَّمةً على العمومِ المستَنْبَطِ من عمومِ العلِّةِ، لجوازِ أن تكونَ العلةُ قد اعتُبرَ فيها وصفٌ من أوصافِ محلِّ النَّهيِ. والدليلُ الدالُّ علَى الاستحبابِ لمْ يتطرَّقْ إليهِ احتمالُ الرَّفعِ. فلا يعارِضُه ما يُحتملُ فيهِ التخصيصُ ببعضِ أوصافِ المَحَالِّ.

203 -الحديثُ السَّادسُ: عنْ أبِي عبيدٍ، مولى ابنِ أزْهرَ - واسمُه: سعدُ بنُ عبيدٍ - قالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عمرَ بنِ الخطَّاب، رضيَ اللهُ عنهُ، فقالَ: هذَانِ يَوْمَانِ نَهى رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْيَوْمُ الآخَرُ: تأْكُلُونَ فِيهِ منْ نُسُكِكُمْ.

مدلولُهُ: المنعُ منْ صومِ يومَيِ العيدِ. ويقتضِي ذلكَ عدمَ صحَّةِ صومِهمَا بوجهٍ مِن الوجوهِ. وعند الحنفيَّةِ فِي الصِّحةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت