فهرس الكتاب

الصفحة 333 من 381

ما زادَ عليهِ في إباحَةِ القطعِ؛ فإنَّهُ لو اعتبرَ في ذلكَ لم يَجُز القطعُ فيما دُونَهُ. وأيضًا فروايةُ الفِعْلِ يَدْخُلُ فيها ما ذَكَرْنَاهُ من التأويلِ المُسْتَضْعَفِ في أنَّ التقويمَ أمْرٌ ظَنِّيٌّ إلى آخرِهِ.

واعْلَمْ أنَّ هذا الحديثَ قويٌّ في الدَّلَالةِ على أصحابِ أبي حنيفةَ؛ فإنَّهُ يقتضي صريحُهُ القطْعَ في هذا المقدارِ الذي لا يقولونَ بجوازِ القطعِ بهِ. وأمَّا دَلالتُهُ على الظاهرِ فليسَ من حيثُ النُّطْقُ، بلْ من حيثُ المفهومُ. وهوَ داخلٌ في مفهومِ العددِ، ومرتبَتُهُ أقْوَى من مَرْتَبَةِ مفهومِ اللقبِ.

357 -الحديثُ الثالثُ: عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها، أنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَخْزُومِيَّةِ التي سَرَقَتْ، فقالوا: مَن يُكَلِّمُ فيها رسولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليهِ وسلمَ؟ فقالوا: ومَن يَجْتَرِئُ عليهِ إلا أُسامةُ بنُ زيدٍ حِبُّ رسولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليهِ وسلمَ؛ فكلَّمَهُ أُسامةُ. فقالَ:"أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ثُمَّ قامَ فاختطبَ فقالَ:"إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا"."

وفى لفظٍ:"كانتِ امرأةٌ تَسْتَعِيرُ المتاعَ وتَجْحَدُهُ، فأَمَرَ النبيُّ صلى اللَّهُ عليهِ وسلمَ بقطْعِ يدِها".

قد أطلقَ في هذا الحديثِ على هذهِ المرأةِ لفظَ:"السرقةِ"ولا إشكالَ فيه. وإنَّمَا الإشكالُ في الروايةِ الثانيةِ. وهو إطلاقُ جحْدِ العاريةِ على المرأةِ، وليسَ في لفظِ هذا الحديثِ ما يدلُّ على أنَّ المعبَّرَ عنه امرأةٌ واحدةٌ، ولكنْ في عبارةِ المصنِّفِ ما يُشعِرُ بذلكَ. فإنَّه جعلَ الذي ذَكَرَهُ ثانيًا روايةً. وهو يقتضِي من حيثُ الإشعارُ العاديُّ: أنَّهما حديثٌ واحدٌ، اختُلِفَ فيه: هل كانت هذهِ المرأةُ المذكورةُ سارقةً، أو جاحدةً؟ وعن أحمدَ: أنَّهُ أوجبَ القطْعَ في صورةِ جحودِ العاريةِ، عملًا بتلكَ الروايةِ، فإذا أُخِذَ بطريقٍ صناعيٍّ -أعنِي في صَنْعَةِ الحديثِ- ضَعُفَت الدَّلالةُ على مسألةِ الجحودِ قليلًا، فإنَّه يكونُ اختلافًا في واقعةٍ واحدةٍ، فلا يثبتُ الحكمُ المُرتَّبُ على الجحودِ؛ حتى يتبيَّنَ ترجيحُ روايةِ مَن روَى في هذا الحديثِ"أنَّها كانتْ جاحدةً"علَى روايةِ مَن روَى"أنَّهَا كانتْ سارقةً".

وأظهرَ بعضُ الشافعيَّةِ النكيرَ والتعجُّبَ ممَّنْ أوَّلَ حديثَ عائشةَ في القطْعِ في رُبْعِ دينارٍ - الذي رُوِيَ فعلًا - بأن اعتمدَ علَى روايةِ مَن رواهُ قولًا. فإنَّه كانَ مخْرَجُ الحديثِ مختلفًا، فالأمرُ كما قالَ. فإنَّ أحدَ الحديثيْنِ حينئذٍ يدلُّ علَى القطعِ فعلًا في هذا المقدارِ. والثانِي: يدلُّ عليه قولًا. ولا يتأتَّى فيه تأويلُ احتمالِ الغلطِ في التقويمِ، وإنْ كانَ مخرجَ الحديثِ واحدًا. ففيه من الكلامِ ما أشرْنَا إليهِ الآنَ، إلا إنَّه ههنا قويٌّ؛ لأنَّه لا يجوزُ للراوِي، إذا كانَ سمِعَهُ لروايةِ الفعلِ: أنْ يُغيِّرَهُ إلَى روايةِ القولِ. فيظهرُ من هذا: أنَّهما حديثانِ مختلفَا اللفظِ، وإن كانَ مخرجُهما واحدًا.

وفي هذا الحديثِ دليلٌ علَى امتناعِ الشفاعةِ في الحدِّ، بعد بلوغِهِ السلطانَ. وفيهِ تعظيمُ أمرِ المحاباةِ للأشرافِ في حقوقِ اللَّهِ تعالَى.

ولفظةُ:"إنَّمَا"ههنا دالَّةٌ علَى الحصرِ. والظاهرُ: أنَّهُ ليسَ للحصرِ المطلقِ مع احتمالِ ذلك. فإنَّ بنِي إسرائيلَ كانت فيهم أمورٌ كثيرةٌ تقتضِي الإهلاكَ، فيُحمَلُ ذلكَ علَى حصْرٍ مخصوصٍ، وهو الإهلاكُ بسببِ المحاباةِ في حدودِ اللَّهِ، فلا ينحصرُ ذلك في هذا الحدِّ المخصوصِ.

وقد يُستدلُّ بقولِهِ عليهِ السلامُ:"وايمُ اللَّهِ، لَوْ أنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا"علَى أنَّ ما خرجَ هذا المخرجِ، من الكلامِ الذي يقتضِي تعليقَ القولِ بتقديرِ أمرٍ آخرَ: لا يمنعُ. وقد شدَّدَ جماعةٌ في مثلِ هذا. ومراتبُهُ في القبحِ مختلفةٌ.

بابُ حدِّ الخمرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت