فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 381

171 -الحديث الأوَّلِ: عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، رضي اللهُ عنهما، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَعاذِ بْنِ جَبَلٍ - حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليمنِ: (( إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهدُوا أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذلِكَ، فإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المظَلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ ) ).

(( الزكاةُ ) )فِي اللغةِ لِمعنَيَيْنِ، أحدُهما: النماءُ. الثاني: الطهارةُ. فمنَ الأوَّلِ: قولُهمْ: زكاةُ الزَّرعِ. ومِن الثاني: قولُه تعالى: (وَتُزَكِّيهِم بِهَا) [التوبةِ: 103] وسُمِّيَ هذا الحقُّ زكاةً بالاعتبارينِ. أمَّا بالاعتبارِ الأوَّلِ: فبمعنَى أنْ يكونَ إخراجُهَا سببًا للنَّماءِ فِي المَالِ. كما صحَّ: (( ما نَقَصَ مالٌ مِن صدقَةٍ ) )، ووجهُ الدليلِ منهُ: أنَّ النُّقصانَ محسوسٌ بإخراجِ القدْرِ الواجِبِ. فلا يكونُ غيرَ نَاقِصٍ إلا بزِيادةٍ تُبلِغُه إِلَى ما كانَ عليه، على المعنَيَيْنِ جميعًا، أعني: المعنويَّ والحِسِّيَّ فِي الزيادةِ، أو بمعنى: أنَّ متعلَّقَهَا الأموالُ ذاتُ النَّمَاءِ، وسُمِّيَتْ بالنَّماءِ لتعلُّقِهَا به أو بمعْنَى تضعيفِ أُجورِها كما جاءَ (( إنَّ اللهَ يُرْبِي الصَّدقَةَ حتَّى تكونَ كالجبلِ ) ).

وأمَّا بالمعنَى الثاني: فلأنَّها طُهْرةٌ للنَّفْسِ مِن رذيلةِ البُخْلِ، أو لأَنها تُطَهِّرُ مِن الذنوبِ.

وهذا الحقُّ أَثْبَتَهُ الشَّارِعُ لمصلحةِ الدافِعِ والآخِذِ مَعًا، أمَّا فِي حقِّ الدَّافعِ: فتطهيرُه وتضعيفُ أُجورِه. وأمَّا فِي حقِّ الآخِذِ: فَلِسدِّ خَلَّتِهِ.

وحديثُ مُعاذٍ: يدلُّ على فريضةِ الزَّكاةِ. وهوَ أمرٌ مقطوعٌ بهِ من الشَّريعَةِ. ومَنْ جَحَدَهُ كَفَرَ.

وقولُه عليه الصلاةُ والسَّلامُ: (( إنكَ ستأتي قومًا أهلَ كتابٍ ) )لعلَّهُ للتوطئةِ والتَّمهيدِ للوصيَّةِ باستجماعِ هِمَّتهِ فِي الدعاءِ لهُمْ، فإنَّ أهلَ الكتابِ أهلُ عِلْمٍ، ومخاطبتُهُمْ لا تكونُ كمخاطبَةِ جُهَّالِ المُشركينَ، وعبَدَةِ الأوثانِ فِي العنايةِ بهَا، والبَداءةُ فِي المطالبةِ بالشهادتينِ: لأنَّ ذلكَ أصلُ الدِّينِ الذي لا يَصحُّ شيءٌ من فروعِه إلا به، فمن كانَ منهمْ غيرَ مُوَحِّدٍ على التحقيقِ - كالنَّصارَى - فالمطالبةُ متوجِّهةٌ إليه بِكلِّ واحدةٍ من الشهادتينِ عينًا، ومن كان موحِّدًا - كاليهودِ - فالمطالبةُ له: بالجمعِ بينَ ما أقرَّ بهِ مِن التوحيدِ، وبينَ الإقرارِ بالرسالةِ، وإن كان هؤلاءِ اليهودُ - الذينَ كانوا باليمنِ - عندهم ما يقتضِي الإشراكَ، ولو بالُّلزومِ، يكونُ مطالبتُهم بالتوحيدِ لنفْيِ ما يلزمُ من عقائدِهم، وقدْ ذكرَ الفقهاءُ، أنَّ مَن كانَ كافرًا بشيءٍ، مؤمنًا بغيرِه: لم يدخلْ فِي الإسلامِ إلاَّ بالإيمانِ بما كفرَ بِهِ.

وقد يُتعلَّقُ بالحديثِ - فِي أنَّ الكفَّارَ غيرُ مخاطبينَ بالفروعِ - مِن حيثُ إِنَّهُ إِنَّمَا أمرَ أوَّلًا بالدُّعاءِ إِلَى الإيمانِ فقطْ، وجعلَ الدُّعاءَ إِلَى الفروعِ بعدَ إجابتهِم الإيمانَ، وليسَ بالقويِّ، من حيثُ إنَّ الترتيبَ فِي الدُّعاءِ لا يلزمُ منهُ التَّرتيبُ فِي الوجوبِ. ألا ترى أنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ لا تَرتيبَ بينهمَا فِي الوجوبِ؟ وقد قُدِّمت الصلاةُ فِي المطالبةِ على الزَّكاةِ، وأُخِّرَ الإخبارُ لوجوبِ الزكاةِ عن الطاعةِ بالصَّلاةِ، مع أنهمَا مستويتانِ فِي خطابِ الوجوبِ.

وقولُه عليه الصلاةُ والسَّلامُ: (( فإِنْ همْ أطاعُوا لكَ بذلِكَ ) )طاعتُهمْ فِي الإيمانِ: بالتلفُّظِ بالشهادتينِ. وأمَّا طاعتُهمْ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت