فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 381

وقد يستدلُّ بهذهِ الأحاديثِ على أنَّ المسجدَ شرطٌ فِي الاعتكافِ من حيثُ أنه قُصدَ لذلكَ، وفيهِ مخالفةُ العادةِ فِي الاختلاطِ بالنَّاسِ، لاسيَّما النَّساءُ، فلو جازَ الاعتكافُ فِي البيوتِ: لما خالفَ المقتضَى، لعدمِ الاختلاطِ بالنَّاسِ فِي المسجِدِ وتحمُّلِ المشقةِ فِي الخروجِ لعوارضِ الخِلْقةِ، وأجازَ بعضُ الفقهاءِ أَنَّ لِلمرأةِ أنْ تعتكفَ فِي مسجدِ بيتِها وهوَ الموضعُ الذِي أعدَّتهُ للصَّلاةِ، وهيأَتْهُ لذلكَ، وقيلَ: إنَّ بعضَهم ألحقَ بهَا الرَّجلَ فِي ذلكَ.

210 -الحديثُ الثَّانِي: عنْ عائشةَ، رضيَ اللهُ عنهَا، أنهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهِيَ حائِضٌ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ، وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ.

وَفِي روايةٍ: وَكانَ لاَ يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلاَّ لِحاجَةِ الإِنْسَانِ.

وَفِي روايةٍ: أنَّ عائشةَ، رضيَ اللهُ عنهَا، قالتْ: إِنْ كُنْتُ لأَدْخُلُ البَيْتَ لِلْحَاجَةِ والمَرِيضُ فيهِ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلاَّ وَأَنَا مَارَّةٌ )) .

(( التَّرْجِيلُ ) )تَسْرِيحُ الشَّعَرِ.

فيهِ دليلٌ على طهارةِ بدنِ الحائضِ، وفيهِ دليلٌ علَى أنَّ خروجَ رأسِ المعتكِفِ من المَسجِدِ لا يُبطلُ اعتكافَهُ، وَأَخَذَ منهُ بعضُ الفُقَهَاءِ: أنَّ خروجَ بعضِ البدنِ منَ المكانِ الذي حلفَ الإنسانُ علَى أنْ لا يخرجَ منهُ لاَ يوجبُ حِنْثَه، وكذلكَ دخولُ بعضِ بدنهِ إذا حلفَ أنْ لا يدخلَه، من حيثُ إِنَّ امتناعَ الخروجِ منَ المسجدِ يوازنُ تعلُّقَ الحِنثِ بالخروجِ، لأنَّ الحكمَ فِي كلِّ واحدٍ منهمَا معلَّقٌ بعدمِ الخروجِ فخروجُ بعضِ البدنِ: إن اقتضَى مخالفةَ مَا عُلِّقَ عليهِ الحكمُ فِي أحدِ الموضعَينِ، اقتضَى مخالفتَه فِي الآخَرِ، وحيثُ لم يقتضِ فِي أحدِهمَا، لم يقتضِ فِي الآخَرِ، لاتِّحادِ المأخذِ فيهمَا، وكذلِكَ تنقَلُ هذهِ المادَّةُ فِي الدُّخولِ أيضًا: بأنْ تقولَ: لَوْ كانَ دخولُ البعضِ مقتضيًا للحكمِ المعلَّقِ بدخولِ الكُلِّ: لكانَ خروجُ البعضِ مقتضيًا للحكمِ المعلَّقِ بخروجِ الجُملةِ، لكنَّه لا يقتضيهِ ثَمَّ، فلاَ يقتضيهِ هنَا.

وبيانُ الملازمةِ: أنَّ الحكمَ فِي الموضِعينَ معلَّقٌ بالجملةِ، فإمَّا أنْ يكونَ البعضُ موجبًا لترتيبِ الحكمِ عَلَى الكلِّ أَوْ لاَ - إِلَى آخرِه.

وقولُها: وكانَ لا يدخلُ البيتَ إلاَّ لحاجةِ الإنسانِ, كنايةٌ عمَّا يضطرُّ إليهِ منَ الحدثِ. وَلا شكَّ فِي أنَّ الخروجَ لهُ غيرُ مبطلٍ للاعتكافِ؛ لأنَّ الضرورةَ داعيةٌ إليهِ، والمسجدُ مانعٌ منهُ. وكلُّ ما ذكرَهُ الفقهاءُ - أنه لا يخرجُ إليهِ، أو اختلفُوا فِي جوازِ الخروجِ إليِه - فهذا الحديثُ يدلُّ على عدِم الخروجِ إليهِ لعمومِه. فَإِذَا ضُمَّ إِلَى ذلكَ قرينةُ الحاجةِ إِلَى الخروجِ لكثيرٍ منهُ، أَوْ قيامُ الداعي الشرعيِّ فِي بعضِه، كعيادةِ المريضِ، وصلاةِ الجنازةِ، وشِبْهِهِ. قويت الدلالةُ على المنعِ.

وَفِي الروايةِ الأخرَى عَن عائشةَ: جوازُ عيادةِ المريضِ على وجهِ المرورِ، من غيرِ تعريجٍ. وَفِي لفظهِا إشعارٌ بعدمِ عيادتهِ على غيرِ هذا الوجهِ.

211 -الحديثُ الثَّالثُ: عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، رضيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إِنَّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الجَاهِليَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً-وَفِي روايةٍ: يَوْمًا-فِي المَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ: (( فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ ) )ولَمْ يَذْكُرْ بعْضُ الرُّوَاةِ يَوْمًا وَلاَ لَيْلَةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت