فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 381

قَالَ: أحابِسَتُنَا هِيَ؟ قالوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ. قَالَ: اخْرُجُوا )) .

وَفِي لفظٍ: قَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( عَقْرَى، حَلْقَى، أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قِيلَ: نَعَمْ، قَالَ: فَانِفرِي ) ).

فِيْهِ دليلٌ عَلَى أمورٍ، أحدُها: أنَّ طوافَ الإِفاضةِ لاَ بدَّ مِنْهُ، وأنَّ المرأةَ إِذَا حاضتْ لاَ تنفِرُ حَتَّى تطوفَ؛ لقولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَحَابِسَتُنا هِيَ؟ ) )فقيلَ: (( إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ - إِلَى آخرِه ) )فإن سياقَه يدلُّ عَلَى أن عدمَ طوافِ الإِفاضةِ مُوجِبٌ للحبسِ.

وثانيهما: أن الحائضَ يَسْقُطُ عَنْهَا طوافُ الوداعِ، وَلاَ تَقْعُدُ لأجلِه؛ لقولِه: (( فَانْفِرِي ) ).

وثالثُها: قولُه: (( عَقْرَى ) ). مفتوحُ العينِ، ساكنُ القافِ، و (( حَلْقَى ) ). مفتوحُ الحاءِ، ساكنُ اللامِ، والكلامُ فِي هاتينِ اللفظتينِ مِن وجوهٍ: مِنْهَا: ضبطُهما، فالمشهورُ عِن المحدِّثِين - حَتَّى لاَ يكادَ يُعْرَفُ غيرُه - أن آخرَ اللفظتينِ ألفُ التأنيثِ المقصورةُ مِن غيرِ تنوينٍ، وَقَالَ بعضُهم: (( عقرًا حلقًا ) )بالتنوينِ؛ لأنه يُشْعِرُ أن الموضعَ موضعُ دعاءٍ، فَأَجْرَاه مُجْرَى كلامِ العربِ فِي الدعاءِ بألفاظِ المصادرِ فَإِنَّهَا مُنَوَّنَةٌ، كقولِهم: (( سَقْيًا ورَعْيًا، وجَدْعًا، وكَيًّا ) )ورأَى أن (( عَقْرَى ) )بألفِ التأنيثِ نعتٌ لاَ دعاءٌ، وَالَّذِي ذكرَه المُحَدِّثُونَ صحيحٌ أَيْضًا.

وَمِنْهَا: مَا تقتضيه هاتانِ اللفظتانِ. فَقِيلَ: (( عَقْرَى ) )بمعنى: عَقَرَها اللّهُ. وقيلَ: عقَرَ قومَها. وقيلَ: جَعَلَها عاقرًا، لاَ تَلِدُ. وَأَمَّا (( حَلْقَى ) )فَإِمَّا بمعنى حَلَق شعرَها، أَوْ بمعنى أصابَها وجعٌ فِي حَلْقِها، أَوْ بمعنى تَحْلِقُ قومَها بشؤمِها.

وَمِنْهَا: أن هَذَا مِن الكلامِ الَّذِي كَثُرَ فِي لسانِ العربِ، حَتَّى لاَ يُرَادَ بِهِ أصلُ موضوعِه. كقولِهم: تَرِبَتْ يداكَ. وَمَا أَشْعَرَه قَاتَلَهُ اللهُ، وَأَفْلَحَ وَأَبِيه، إِلَى غيرِ ذَلِكَ مِن الألفاظِ التي لاَ يُقْصَدُ أصلُ موضوعِها لكثرةِ استعمالِها.

249 -الحديثُ التاسعُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: (( أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالَبيتِ، إِلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ المرْأَةِ الحائِضِ ) ).

فِيْهِ دليلٌ عَلَى أن طوافَ الوداعِ واجبٌ؛ لظاهرِ الأمرِ، وَهُوَ مذهبُ الشَّافعيِّ، ويجبُ الدمُ بِتَرْكِه، وَهَذَا بعدَ تقريرِ أن إخبارَ الصحابيِّ عن صيغةِ الأمرِ كحكايتِه لَهَا، وَلاَ دمَ فِيْهِ عندَ مَالكٍ، وَلاَ وجوبَ لَهُ عندَه.

وَفِيْهِ دليلٌ عَلَى سقوطِه عن الحائضِ، وَفِيْهِ خلافٌ عن بَعْضِ السلفِ، أعني: ابنَ عمرَ، أَوْ مَا يَقْرُبُ - أي: مِن الخلافِ - مِنْهُ.

250 -الحديثُ العاشرُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: (( اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنىً، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ. فأَذِنَ لَهُ ) ).

أُخِذَ مِنْهُ أمرانِ: أحدُهما: حُكْمُ المبيتِ بمنًى، وَأَنَّهُ من مناسكِ الحجِّ وواجباتِه، وَهَذَا من حَيْثُ قولُه: (( أَذِنَ للعباسِ مِن أجلِ سقايتِه ) ). فَإِنَّهُ يقتضِي أنَّ الإذنَ لهذه العلَّةِ المخصوصةِ، وأنَّ غيرَها لم يحصلْ فِيهِ الإذنُ.

الثَّانِي: أَنَّهُ يجوزُ المبيتُ لأجلِ السقايةِ. ومدلولُ الحديثِ: تعليقُ هَذَا الحُكْمِ بوصفِ السقايةِ، وباسمِ العبَّاسِ، فَتَكَلَّمَ الفقهاءُ فِي أنَّ هَذَا مِن الأوصافِ المُعْتَبَرَةِ فِي هَذَا الحُكْمِ. فَأَمَّا غيرُ العباسِ: فَلاَ يختصُّ بِهِ الحكمُ اتفاقًا، لكن اخْتَلَفُوا فيما زادَ عَلَى ذَلِكَ: فَمِنْهُمْ مَن قَالَ: يختصُّ هَذَا الحكمُ بآلِ العباسِ، وَمِنْهُمْ مَن عمَّه فِي بني هاشمٍ , وَمِنْهُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت