فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 381

عياضٌ رحمهُ اللهُ، في قولِه: (( أوْ ليُخَالِفَنَّ اللهُ بينَ وجوهِكُم ) )يُحتملُ أنَّهُ كقولِهِ (( أن يُحَوِّلَ اللهُ صورَتَهُ صورةَ حمارٍ ) )فيخالفُ بصفتِهِمْ إلى غيرهَا مِن المُسُوخِ، أو يخالفُ بوجهِ مَنْ لمْ يُقِمْ صَفَّهُ ويغيِّرُ صورَتَهُ عن وجهِ مَن أقامَهُ، أو يخالفُ باختلافِ صُورِهَا بالمسخِ والتَّغييرِ.

وأقولُ: أما الأوَّلُ - وهو قولُه: (( فَيُخَالِفُ بِصِفَتِهِم إلى غيرِهَا مِن المُسوخِ ) )فليسَ فيهِ مُحَافَظَةٌ ظاهرةٌ على مُقْتَضَى لفظةِ (( بينَ ) )والأَلْيَقُ بهذا المعنى أنْ يُقالَ: يخالفُ وجوهَكُم عن كذا، إلا أنْ يُرادَ المخالفةُ بينَ وجوهِ مَن مُسِخَ ومَن لم يُمسَخْ، فهذَا الوجهُ الثَّانِي، وأما الوجهُ الأَخيرُ: ففيهِ مُحَافَظَةٌ على معنَى (( بينَ ) )إلاَّ أنَّهُ ليسَ فيهِ مُحَافَظَةٌ ظاهرةٌ على قولِه: (( وجَوهِكُمْ ) )فإنَّ تِلكَ الْمُخَالَفَةَ بعدَ المَسْخِ، وليست تلكَ صفةَ وجوهِهِم عندَ المُخَالَفَةِ في الفعلِ، والأمرُ في هذَا قريبٌ مُحتملٌ.

وقولهُ: (( القِدَاحَ ) )هيَ خشبُ السِّهامِ حينَ تُبْرَى وتُنحتُ وتُهيَّأُ للرَّميِ. وهيَ ممَّا يُطلبُ فيهَا التَّحريرُ، وإلاَّ كانَ السَّهمُ طَائِشًَا، وهيَ مُخَالِفَةٌ لغرضِ إصابَةِ الغرضِ. فَضُرِبَ بهِ المثلُ لتحريرِ التَّسويةِ لغيرِه.

وفي الحديثِ دليلٌ على أنَّ تسويةَ الصفوفِ منْ وظيفةِ الإمَامِ. وقدْ كانَ بعضُ أئمَّةِ السَّلفِ يُوكِلُ بالنَّاسِ من يُسوِّي صفوفَهُمْ.

وقولهُ: (( حتَّى إذا رأى أنْ قدْ عقَلْنَا ) )يُحْتَمَلُ أنَّ الْمُرَادَ: أنَّهُ كانَ يراعِيهِمْ في التَّسويةِ ويُراقِبُهُم، إلى أنْ عَلِمَ أنَّهُمْ عقلُوا المقصودَ منهُ وامتثلوهُ. فكانَ ذلكَ غايةً لمراقبتِهِمْ، وتكلُّفَ مراعاةِ إقامتِهمْ.

وقولُهُ: حتَّى إذا كادَ أن يُكبِّرَ فرأىَ رجلًا باديًا صدرُهُ. فقالَ: (( عِبَادَ اللهِ ) )إلخ يُسْتَدَلُّ بهِ على جوازِ كلامِ الإمامِ فيمَا بينْ الإمامةِ والصَّلاةِ لِما يَعرِضُ مِن حاجةٍ. وقيلَ: إنَّ العلماءَ اختلفُوا في كَرَاهَةِ ذلكَ.

74 -الحديثُ الثَّالثُ: عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ: أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فأَكلَ مِنْهُ، ثمَّ قال: (( قُومُوا فلِأُصَلِّ لَكُمْ ) )قالَ أنسٌ: فَقُمْتُ إلى حَصِيرٍ لنا قدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ ما لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِماءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَصَفَفْتُ أَنا وَاليَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنا. فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ انصرَفَ.

75 -ولمسلمٍ أَنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَلَّى بِهِ وبأُمِّهِ فأَقَامَنِي عَن يمينِهِ، وأَقَامَ المَرْأَةَ خَلْفَنَا.

قالَ صاحبُ الكتابِ: اليتيمُ هو: ضُمَيْرةُ، جدُّ حسينِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ ضُمَيْرَةَ.

(( مُلَيْكَةُ ) )بضمِّ الميمِ وفتحِ اللاَّمِ. وبعضُ الرُّواةِ: رواهُ بفتحِ الميمِ وكسرِ اللاَّمِ، والأصحُّ الأوَّلُ. قيلَ: هيَ أمُّ سُليمٍ. وقيلَ: أمُّ حَرَامٍ. قالَ بعضهُم: ولاَ يَصِحُّ.

وهذَا الحديثُ: رواهُ إسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةَ عنْ أنسِ بنِ مالكٍ. فقيلَ: الضَّميرُ في (( جدَّتِه ) )عائدٌ على إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ، وأنَّها أمُّ أبيهِ. قالهُ الحافظُ أبو عمرَ. فعلى هذَا: كان ينبغِي للمُصَنِّفِ أنْ يذكرَ إسحاقَ. فإنهُ لمَّا أَسْقَطَ ذِكْرَهُ تعيَّنَ أنْ تكونَ جدةَ أنسٍ. وقال غيرُ أبي عُمرَ: إنهَا جدَّةُ أنسٍ، أمُّ أمِّهِ. فعلى هذا: لا يُحْتَاجُ إلى ذكرِ إسحاقَ. وعلى كلِّ حالٍ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت