140 -الحديثُ السَّادسُ: عنْ أبي هريرَة، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمعةِ، ثُمَّ رَاحَ فَكأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيةِ فَكأنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثةِ، فَكأنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكأنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الملائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ ) ).
الأولُ: اختلفَ الفقهاءُ فِي أنَّ الأفضلَ التَّبكيرُ إِلَى الجمعةِ أَوْ التَّهجيرُ. واختارَ الشافعيُّ التبكيرَ، واختارَ مالكٌ التَّهجيرَ، واستُدِلَّ للتبكيرِ بِهَذَا الحديثِ، وحُملَ الساعاتُ فيه عَلَى الأجزاءِ الزَّمانيَّةِ، التي ينقسمُ النهارُ فيها إِلَى اثنيْ عشرَ جُزءًا، والذينَ اختارُوا التَّهجيرَ يحتاجونَ إِلَى الاعتذارِ عَنْهُ، وذلك من وجوهٍ:
أحدُها: قَدْ يُنازعُ فِي أنَّ السَّاعةَ حقيقةٌ فِي هَذِهِ الأجزاءِ فِي وضعِ العربِ، واستعمالِ الشَّرعِ، بناءً عَلَى أنَّهَا تتعلَّقُ بحسابٍ ومراجعةِ آلاتٍ تدلُّ عَلَيْهِ، لم تجرِ عادةُ العربِ بِذَلِكَ، وَلاَ أحالَ الشَّرعُ عَلَى اعتبارِ مثلهِ حوالةً لاَ شكَّ فيهَا، وإنْ ثبتَ ذَلِكَ بدليلٍ تجوَّزُوا فِي لفظِ (( السَّاعةِ ) )وحملوهَا عَلَى الأَجزاءِ التي تَقَعُ فيهَا المراتبُ، ولابُدَّ لهمْ من دليلٍ مؤيِّدٍ للتأويلِ عَلَى هَذَا التقديرِ، وسنذكرُ مِنْهُ شَيْئًا.
الوجهُ الثَّانِي: مَا يؤخذُ مِن قولهِ: (( مَن اغتسلَ ثُمَّ رَاحَ ) )، والرَّواحُ لاَ يكونُ إلاَّ بعدَ الزَّوالِ، فحافظُوا عَلَى حقيقةِ (( رَاحَ ) )وتجوَّزُوا فِي لفظِ (( السَّاعةِ ) )إن ثبتَ أنها حقيقةٌ فِي الجزءِ من اثنيْ عشرَ، واعتُرضَ عليهمْ فِي هَذَا بأنَّ لفظةَ (( رَاحَ ) )يحتملُ أن يرادَ بِهَا مجرَّدُ السَّيرِ فِي أيِّ وقتٍ كَانَ، كَمَا أوَّلَ مالكٌ قولَهُ تَعَالَى: (فاسْعَوْا إِلَى ذكرِ اللهِ وذرُوا البيعَ) [الجمعةِ: 9] عَلَى مجرَّدِ السَّيرِ، لاَ عَلَى الشَّدِّ والسُّرعةِ هَذَا معنَى قولِه، وَلَيْسَ هَذَا التأويلُ ببعيدٍ فِي الاستعمالِ.
الوجهُ الثَّالثُ: قولهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بعضِ الرِّواياتِ: (( فالمُهجِّر كالْمُهْدِي بدنَةً ) )، والتهجيرُ إِنَّمَا يكونُ فِي الهاجرةِ، ومَن خرجَ عندَ طلوعِ الشَّمسِ مثلًا، أَوْ بعدَ طلوعِ الفجرِ، لاَ يقالُ لَهُ مُهَجِّرٌ.
واعتُرضَ عَلَى هَذَا بأنْ يكونَ المُهجِّرُ مَن هجرَ المنزِلَ وتركهُ فِي أيِّ وقتٍ كَانَ, وَهَذَا بعيدٌ.
الوجهُ الرَّابعُ: يقتضِي الحديثُ أنهُ بعدَ السَّاعةِ الخَامسةِ يخرجُ الإِمامُ، وتطوِي الملائكةُ الصُّحُفَ لاستماعِ الذِّكرِ، وخروجُ الإِمامِ إِنَّمَا يكونُ بعدَ السادسةِ، وَهَذَا الإشكالُ إِنَّمَا ينشأُ إِذَا جعلنا السَّاعةَ هيَ الزَّمَانِيَّةَ، أما إِذَا جعلنَا ذَلِكَ عبارةً عن ترتيبِ مَنازلِ السَّابقينَ، فَلاَ يلزمُ هَذَا الإِشكالُ.
الوجهُ الخامسُ: يقتضِي أنْ تتساوَى مراتبُ النَّاسِ فِي كلِّ ساعةٍ، فكلُّ مَنْ أتى فِي الأُولَى كَانَ كالمُقِّربِ بدنةً، وكلُّ من أتَى فِي الثانيةِ كَانَ كمنْ قرَّبَ بقرةً، مَعَ أنَّ الدليلَ يقتضِي أنَّ السَّابقَ لاَ يُساويهِ اللاَّحقُ، وَقَدْ جاءَ فِي الحديثِ: (( ثُمَّ الَّذِي يليهِ، ثُمَّ