فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 381

129 -الحديثُ الأوَّلُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بالذِّكْرِ، حِيْنَ يَنْصَرفُ النَّاسُ مِن المكْتُوبَةِ، كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: كنتُ أَعلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ، إِذَا سَمعْتُه.

وَفِي لفظٍ: مَا كنَّا نَعْرفُ انْقضَاءَ صَلاَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ بالتكْبِيرِ.

فِيْهِ دليلٌ عَلَى جوازِ الجهرِ بالذِّكرِ عَقيبَ الصَّلاةِ، والتكبيرُ بخصوصِهِ مِن جملةِ الذِّكرِ. قَالَ الطبريُّ: فِيْهِ الإِنابةُ عن صحَّةِ فعلِ مَنْ كَانَ يفعلُ ذَلِكَ مِنَ الأُمراءِ، يُكبِّرُ بعدَ صلاتهِ، ويُكبِّرُ مَنْ خَلْفَهُ. قَالَ غيرُه: ولمْ أجدْ مِنَ الفقهاءِ مَنْ قَالَ هَذَا إلاَّ مَا ذكرهُ ابن حبيبٍ فِي الواضحةِ: كانُوا يستحبُّونَ التَّكبيرَ فِي العساكرِ والبُعوثِ إثرَ صلاةِ الصُّبحِ والعشاءِ تكبيرًا عاليًا، ثلاثَ مراتٍ، وَهُوَ قديمٌ مِن شأنِ النَّاسِ، وعن مالكٍ أنهُ مُحْدَثٌ.

وَقَدْ يؤخذُ مِنْهُ تأخيرُ الصِّبيانِ فِي الموقِفِ، لقولِ ابنِ عبَّاسٍ: مَا كنَّا نعرفُ انقضاءَ صلاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلاَّ بالتكبيرِ، فَلَوْ كَانَ متقدِّمًا فِي الصَّفِّ الأوَّلِ لعلمَ انقضاءَ الصَّلاةِ بسماعِ التَّسليمِ.

وَقَدْ يؤخذُ مِنْهُ أنهُ لمْ يكنْ ثمَّةَ مُسمِّعٌ جهيرُ الصَّوتِ يُبلِّغُ التَّسليمَ بجهارةِ صوتِهِ.

130 -الحديثُ الثَّانِي: عَنْ وَرَّادٍ مولَى المغيرةِ بنِ شعبةَ، قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مِنْ كِتَابٍ إِلَى مُعاوِيَةَ، أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يقولُ فِي دُبُرِ كلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ: (( لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ ) )ثُمَّ وَفَدَتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَسَمِعْتُهُ يأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ.

وَفِي لفظٍ: كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ المَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤالِ، وَكَانَ يَنْهى عَنْ عُقُوقِ الأُمهاتِ، وَوَأَدِ البَنَاتِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ )) .

فِيْهِ دليلٌ عَلَى استحبابِ هَذَا الذِّكرِ المخصوصِ عَقيبَ الصَّلاةِ، وَذَلِكَ لِمَا اشتملَ عَلَيْهِ منْ معانِي التَّوحيدِ، ونسبةِ الأفعالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، والمنعِ والإِعطاءِ، وتمامِ القُدرةِ، والثوابُ المرتَّبُ عَلَى الأذكارِ يَرِدُ كثيرًا مَعَ خفَّةِ الأذكارِ عَلَى اللِّسانِ وقلَّتِها، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكََ باعتبارِ مدلولاتِها، وأنَّ كلَّها راجعةٌ إِلَى الإِيمانِ الَّذِي هُوَ أشرفُ الأشياءِ، و (( الجَدُّ ) )الحَظُّ.

ومعنَى (( لاَ ينفعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ ) )لاَ ينفعُ ذا الحظِّ حظُّه، وَإِنَّمَا ينفعُه العملُ الصَّالحُ، و (( الجَدُّ ) )ههنا - وإن كَانَ مُطلقًا - فَهُوَ محمولٌ عَلَى حظِّ الدنيا.

وقولُهُ: (( مِنْكَ ) )متعلِّقٌ بينفعُ، وينبغِي أنْ يكونَ (( ينفعُ ) )متضمِّنًا معنَى (( يمنعُ ) )أَوْ مَا يقاربُه، وَلاَ يعودُ (( مِنْكَ ) )إِلَى الجدِّ عَلَى الوجهِ الَّذِي يُقَالُ فِيْهِ: حظِّي مِنْكَ قليلٌ أَوْ كثيرٌ، بمعنَى: عنايتُكَ بِي، أَوْ رعايتكَ لِي، فإنَّ ذَلِكَ نافعٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت