فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 381

السَّابِعَةُ: الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أنَّ الأمْرَ للاِستِحْبابِ، اسْتَحَبُّوا غَسْلَ اليَدِ قَبْلَ إِِدْخَالِهَا فِي الإِنَاءِ فِي ابتِدَاءِ الوُضُوءِ مُطْلَقًا، سَواءٌ قَامَ مِن النَّومِ أمْ لا، وَلَهُم فِيْهِ مَأْْخَذَانِ، أَحَدُهُمَا: أنَّ ذَلِكَ وَارِدٌ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لسَبْقِ نَوْمٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ المَعْنَى الَّذِي عَلَّلَ بِهِ فِي الحدِيثِ - وَهُوَ جَوَلانُ اليدِ مَوجُودٌ فِي حَالِ اليَقَظَةِ، فَيَعُمُّ الحُكْمُ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ.

الثَّامِنَةُ: فَرَّقَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، أَو مَن فَرَّقَ مِنْهُم، بَيْنَ حَالِ المُسْتَيقِظِ مِن النَوْمِ وَغَيْرِ المُسْتيقِظِ، فقَالُوا فِي المُسْتيقِظِ مِن النَّومِ: يُكْرَهُ أَنْ يَغْمِسَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ قَبلَ غَسْلِهَا ثَلاثًا، وَفِي غَيْرِ المُسْتيقِظِ مِنَ النَّومِ: يُسْتَحَبُّ لَهُ غَسْلُهَا قَبلَ إِدْخَالِهَا فِي الإِنَاءِ، وَلْيُعلَم الفَرْقُ بَيْنَ قَولِنَا: (( يُستَحَبُّ فِعْلُ كَذَا ) )وَبَيْنَ قَولِنَا: (( يُكْرَهُ تَرْكُهُ ) )، فَلا تَلازُمَ بَيْنَهُمَا، فَقَد يَكُونُ الشَّيءُ مُستَحَبَّ الفِعْلِ، وَلا يَكُونُ مَكْرُوهَ التَّرْكِ، كَصَلاةِ الضُّحى مَثلًا، وكَثِيرٍ مِن النَّوَافِلِ، فَغَسْلُهَا لغَيْرِ المُستيَقِظِ مِن النَّومِ قَبلَ إِدْخَالِهَا الإِنَاءَ مِن المُستحَبَّاتِ، وَتَرْكُ غَسْلِهَا للْمُستَيقِظِ مِن النَّومِ مِن المَكْرُوهَاتِ، وَقَدْ ورَدَتْ صِيْغَةُ النَّهْي عَن إدْخَالِهَا فِي الإِنَاءِ قَبلَ الغَسْلِ فِي حَقِّ المُستَيْقِظِ مِن النَّومِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الكَرَاهةَ عَلَى أَقَلِّ الدَّرجَاتِ، وَهَذِهِ التَّفْرِقَةُ هِيَ الأَظْهَرُ.

التَّاسِعَةُ: اسْتُنبِطَ مِن هَذَا الحَدِيثِ الفَرْقُ بَيْنَ ورُودِ المَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ، ووُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَى المَاءِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ قَد نُهِيَ عَن إِدْخَالِهَا فِي الإِنَاءِ قَبْلَ غسْلِهَا؛ لاِحتمَالِ النجَاسَةِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ ورُودَ النَّجَاسَةِ عَلَى المَاءِ مُؤَثِّرٌ فِيْهِ، وأُمِرَ بغَسْلِهَا بإِفْرَاغِ المَاءِ عَلَيْهَا للتَّطْهِيرِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ مُلَاقَاتَها للمَاءِ عَلَى هَذَا الوَجْهِ غَيْرُ مُفْسِدٍ لَهُ بِمُجَرَّدِ المُلَاقَاةِ، وَإِلَّا لَمَا حَصَلَ المَقَصُودُ مِن التَّطْهِيرِ.

العَاشِرَةُ: استُنْبِطَ مِنْهُ أنَّ المَاءَ القَلِيلَ يَنْجُسُ بِوقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيْهِ، فَإِنَّهُ مُنِعَ مِنْ إِدْخَالِ اليَدِ فِيْهِ؛ لاِحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أنَّ تَيَقُّنَهَا مُؤَثِّرٌ فِيهِ، وَإلَّا لَمَا اقتَضَى احْتِمَالُ النَّجَاسَةِ المَنْعَ، وَفِيهِ نَظَرٌ عِندِي؛ لأَنَّ مُقْتَضَى الحَدِيثِ أَنَّ وُرُودَ النَّجَاسَةِ عَلَى المَاءِ مُؤثِّرٌ فِيْهِ، وَمُطْلَقُ التَّأثِيرِ أعَمُّ مِن التَّأثِيرِ بِالتَّنْجِيسِ، وَلا يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ الأَعَمِّ ثُبُوتُ الأخَصِّ المُعَيِّنِ، فَإِذَا سَلَّمَ الخَصْمُ أنَّ الماءَ القَلِيلَ بُوقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيْهِ يَكُونُ مَكْرُوهًا، فَقَد ثَبَتَ مُطْلَقُ التَّأْثِيرِ، فلاَ يَلزَمُ مِنْهُ ثُبوتُ خُصُوصِ التَّأْثِيرِ بالتَّنجِيسِ. وقَدْ يُورَدُ عليهْ أَنَّ الكَراهَةَ ثابتَةٌ عندَ التَّوهُّمِ، فلَا يكونُ أثَرُ اليَقينِ هُوَ الكَراهَةَ، وَيُجَابُ عَنْهُ بأنَّهُ ثَبَتَ عندَ اليَقينِ زِيادةٌ فِي رُتْبَةِ الكَراهَةِ، واللَّهُ أعلمُ.

5 -الحديثُ الخامسُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ ) ).

ولِمُسْلِمٍ: (( لاَ يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ ) ). الكَلَامُ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ:

الأَوَّلُ: (( الْمَاءِ الدَّائِمِ ) )هُو الرَّاكِدُ، وَقَولُهُ: (( الَّذِي لاَ يَجْرِي ) )تَأْكِيدٌ لِمعْنَى الدَّائِمِ، وَهَذَا الحَدِيثُ مِمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ أصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى تَنْجِيسِ المَاءِ الرَّاكِدِ، وَإِنْ كَانَ أكْثَرَ مِن قُلَّتَيْنِ، فَإِنَّ الصِّيغَةَ صِيغَةُ عُمُومٍ، وَأصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يَخُصُّونَ هَذَا العُمُومَ، وَيَحْمِلُونَ النَّهيَ عَلَى مَا دُونَ القُلَّتَيْنِ، وَيَقُولُونَ بِعَدَمِ تَنْجِيسِ القُلَّتَيْنِ - فَمَا زَادَ - إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ، مَأْخُوذٌ مِن حَدِيثِ القُلَّتَيْنِ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت