فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 381

وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: (( فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمِنْخَرَيْهِ مِن المَاءِ ) ). وَفِي لَفْظٍ: (( مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ ) ). فِيْهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: فِي هَذِهِ الرِّوايةِ: (( فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ) )وَلَمْ يَقُلْ: (( مَاءً ) )، وَهُوَ مُبَيَّنٌ فِي غَيْرِهَا، وَتَرَكَهُ لِدَلَالَةِِ الكَلَامِ عَلَيهِ.

الثَّانِيَةُ: تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ يَرَى وُجُوبَ الاسْتِنْشَاقِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ , وَمَالِكٍ , عَدَمُ الوُجُوبِ، وحَمَلَا الأمْرَ عَلَى النَّدْبِ، بِدَلالَةِ مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ مِن قَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلأعْرابِيِّ: (( تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللّهُ ) )، فَأَحَالَهُ عَلَى الآيَةِ، وَلَيسَ فِيهَا ذِكْرُ الاسْتِنْشَاقِ.

الثَّالِثَةُ: المَعْرُوفُ أنَّ (( الاستِنشَاقَ ) )جَذْبُ المَاءِ إِلَى الأَنْفِ، و (( الاِستِنثَارَ ) )دَفْعُهُ للخُرُوجِ، وَمِن النَّاسِ مَن جَعَلَ الاستِنثَارَ لَفظًا يدُلُّ عَلَى الاسْتِنشَاقِ الَّذِي هُوَ الجَذْبُ، وَأَخَذَهُ مِن النَّثْرَةِ، وَهِيَ طَرَفُ الأَنْفِ، وَالاسْتِفْعَالُ مِنْهَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ الجَذْبُ وَالدَّفَعُ مَعًا، وَالصَّحِيحُ هُوَ الأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ قَد جُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ يَقتَضِى التَّغَايُرَ.

الرَّابِعَةُ: قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَمَن اسْتَجْمَرَ فلْيُوتِرْ ) )، الظَّاهِرُ أَنَّ المُرَادَ بِهِ اسْتِعْمَالُ الأَحْجَارِ فِي الاسْتطَابَةِ، وإيتَارٌ فيها بالثَّلاثِ وَاجِبٌ عِنْدَ الشَّافِعيِّ، فَإِنَّ الوَاجِبَ عِنْدَهُ - رَحِمَهُ اللهُ - فِي الاستِجْمَارِ أمَرَانِ: أَحَدِهِمَا: إزَالةُ العَينِ. وَالثَّانِي: اسْتيفَاءُ ثَلاثِ مَسَحَاتٍ، وَظَاهِرُ الأَمْرِ الوُجُوبُ، لَكِنَّ هَذَا الحَدِيثَ لا يدُلُّ عَلَى الإِيتَارِ بالثَّلاثِ، فيُؤْخَذُ مِن حَدِيثٍ آخَرَ، وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُ النَّاسِ الاسْتِجْمارَ عَلَى استعْمَالِ البَخُورِ للتَّطَيُّبِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ فِيهِ: تَجَمَّرَ، واسْتَجْمَر، فيكُونُ الأمْرُ للنَّدْبِ عَلَى هَذَا، والظَّاهرُ الأوَّلُ، أَعْنِي أنَّ المُرَادَ هُوَ اسْتِعْمَالُ الأحْجَارِ.

الخَامِسَة: ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى وُجُوبِ غَسْلِ اليَدَينِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا فِي الإِنَاءِ فِي ابتِدَاءِ الوُضُوءِ عِنْدَ الاسِتِيقَاظِ مِن النَّوْمِ، لِظَاهِرِ الأَمْرِ، وَلَا يُفَرِّقُ هَؤُلاِءِ بَيْنَ نَوْمِ اللَّيلِ ونَوْمِ النَّهارِ؛ لإِطلاَقِ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ ) )، وَذَهَبَ أَحْمَدُ إِلَى وُجُوبُ ذَلِكَ مِن نَوْمِ اللَّيلِ دُونَ نَوْمِ النَّهَارِ؛ لِقَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ) )، وَالمَبِيتُ يكُونُ باللَّيلِ، وَذَهَبَ غَيرُهُم إِلَى عَدَمِ الوُجُوبِ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالكٍ , والشَّافِعِيِّ، والأمْرُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ.

واسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ: أَحدُهُمَا: ما ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ الأَعْرَابيِّ. وَالثَّانِي: أنَّ الأَمْرَ - وَإِن كَانَ ظَاهِرُهُ الوُجُوبَ - إِلَّا أَنَّهُ يُصْرَفُ عَنْ الظَّاهِرِ لِقَرينَةٍ وَدليلٍٍ، وَقَدْ دَلَّ الدَّليلُ، وقامَت القَرينَةُ هَهُنَا، فَإِنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علَّلَ بأمْرٍ يَقْتَضِي الشَّكَّ، وَهُوَ قَولُهُ: (( فَإِنَّهُ لا يَدْرِى أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ) )، وَالقَوَاعِدُ تَقْتَضِي أنَّ الشَّكَّ لا يَقْتَضِي وُجُوبًا فِي الحُكْمِ، إِذَا كَانَ الأَصْلُ المُسْتَصْحَبُ عَلَى خِلافِهِ مَوْجُودًا، وَالأصْلُ الطَّهَارةُ فِي اليَدِ، فَلْتُسْتَصْحَبْ [وَفِيْهِ احِترَازٌ عَن مَسْألةِ الصَّيدِ] .

السَّادِسَةُ: قِيلَ: إِنَّ سبَبَ هَذَا الأَمْرِ أنَّهُمْ كَانُوا يَستَنجُونَ بِالأحْجارِ، فرُبَّما وقعَت اليَدُ عَلَى المَحَلِّ وَهُوَ عَرِقٌ فتَنَجَّسَت، فَإِذَا وُضِعَتْ فِي المَاءِ نجَّسَتهُ؛ لأنَّ المَاءَ المَذْكُورَ فِي الحَدِيثِ هُوَ ما يَكُونُ فِي الأوَانِي الَّتِي يُتَوضَّأُ مِنْهَا، وَالغَالِبُ عَلَيْها الِقلَّةُ، وقيلَ: إنَّ الإِنسَانَ لا يَخْلُو مِن حَكِّ بَثْرَةٍ فِي جِسمِهِ، أو مُصَادَفَةِ حَيوَانٍ ذِى دَمٍ فَيَقْتُلَهُ، فَيَتَعَلَّقَ دَمُهُ بيَدِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت