فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 381

بِالنَّضْحِ وَعَدَمِ الغَسْلِ، لاسِيَّمَا مَعَ قَولِهِا: (( وَلَمْ يَغْسِلْهُ ) )، وَالَّذِين أَوْجَبُوا غَسْلَهُ اتَّبَعُوا القِيَاسَ عَلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ، وَأوَّلُوا الحَدِيثَ. وَقَولُهَا: (( وَلَمْ يَغْسِلْهُ ) )، أَيْ غَسْلًا مُبَالَغًا فِيهِ كَغَيْرِهِ، وَهُوَ لِمُخَالَفَتِهِ الظَّاهِرَ مُحْتَاجٌ إِلَى دَلِيلٍ يُقَاوِمُ هَذَا الظَّاهِرَ. وَيَبْعِدُهُ أَيْضًا مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الأحَادِيثِ مِن التَّفْْرِِقَةِ بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ، فَإِنَّ المُوجِبِينَ لِلغَسْلِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا، وَلَمَّا فَرَّقَ فِي الحَدِيثِ بَيْنَ النَضْحِ فِي الصَّبِيِّ وَالغَسْلِ فِي الصَّبَيَّةِ، كَانَ ذَلِكَ قَوِيًّا فِي أَنَّ النَضْحَ غَيْرُ الغَسْلِ، إِلَّا أَنْ يَحْمِلُوا ذَلِكَ عَلَى قَرِيبٍ مِن تَأْوِيلِهِم الأَوَّلِ، وَهُوَ أَنَّ مَا يُفْعَلَ فِي بَولِ الصَّبِيَّةِ أَبْلَغُ مِمَّا يُفْعَلُ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ، فَسُمِّيَ الأَبْلَغُ (( غَسْلًا ) )وَالأَخَفُّ (( نَضْحًا ) ).

وَاعْتَلَّ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا بِأَنَّ بَوْلَ الصَّبِي يَقَعُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَبَوْلُ الصَّبِيَّةِ يَقَعُ مُنْتَشِرًا، فَيَحْتَاجُ إِلَى صَبِّ المَاءِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الصَّبِيِّ، وَرُبَّمَا حَمَلَ بَعْضُهُمْ لَفْظَ (( النَّضْحِ ) )فِي بَولِ الصَّبِيِّ عَلَى الغَسْلِ، وَتَأيَّدَ بِمَا فِي الحَدِيثِ مِن ذِكْرٍ: (( مَدِينَةٌ يَنْضَحُ البَحْرُ بِجَوَانِبِهَا ) )، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِوَجْهَينِ: أَحَدُهُمَا: قَولُهُا: (( وَلَمْ يَغْسِلْهُ ) ). وَالثَّانِي: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ، وَالتَّأْوِيلُ فِيهِ عِنْدَهُمْ مَا ذَكَرْنَاهُ.

وَفَسَّرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ (( النَضْحَ ) )أَو (( الرَّشَّ ) )المَذْكُورَ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ، فَقَالَ: وَمَعْنَى الرَّشِّ أَنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ مِن المَاءِ مَا يَغْلِبَهُ، بَحَيْثُ لَو كَانَ بَدَلَ البَوْلِ نَجَاسَةٌ أُخْرَى، وَعُصِرَ الثُوبُ كَانَ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ. وَالصَّبِيُّ المَذْكُورُ فِي الحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى الذَّكَرِ. وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الصَّبِيَّةِ خِلَافٌ، وَالمَذْهَبُ وُجُوبُ الغَسْلِ، لِلحَدِيثِ الفَارِقِ بَيْنَ بَولِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي مَعْنَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا وُجُوهٌ، مِنْهَا مَا هُو رَكِيكٌ جِدًّا لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُذْكَرَ، وَمِنْهَا مَا هُو قَوِيٌّ، وَأَقْوى ذَلِكَ مَا قِيلَ: إنَّ النَّفُوسَ أعْلَقُ بِالذِّكُورِ مِنْهَا بِالإِنَاثِ، فَيَكْثُرُ حَمْلُ الذُّكُورِ، فَيُنَاسِبُ التَّخْفِيفَ بِالاكْتِفَاءِ بِالنَّضْحِ، دَفْعًا لِلعُسْرِ وَالحَرَجِ، بِخِلَافِ الإِنَاثِ، فَإِنَّ هَذَا المَعْنَى قَلِيلٌ فِيهِنَّ، فَيُجْرَى عَلَى القِيَاسِ فِي غَسْلِ النَّجَاسَةِ. وَقَد اسْتَدَلَّ بَعْضُ المَالِكَيَّةِ بِهَذَا الحَدِيثِ عَلَى أنَّ الغُسْلَ لَابُدَّ فِيهِ مِنْ أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى مُجَرَّدِ إيصَالِ المَاءِ، مِن جِهَةِ قَولِهَا: (( وَلَمْ يَغْسِلْهُ ) )مَعَ كَونِهِ أَتْبَعَهُ بِمَاءٍ.

27 -الحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ أَنْسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (( جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُم النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَذَنُوبٍ مِن مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ ) ).

(( الأَعْرَابِيُّ ) )مَنْسُوبٌ إِلَى الأَعْرَابِ، وَهُمْ سُكَّانُ البَوَادِي، وَوَقَعَت النِّسْبَةُ إِلَى الجَمْعِ دُونَ الوَاحِدِ، قِيلَ: لِأَنَّهُ جَرَىَ مَجْرَى القَبِيلَةِ، كَأَنْمَارٍ، أَوْ لِأَنَّهُ لَو نُسِبَ إِلَى الوَاحِدِ، وَهُوَ (( عَرَبٌ ) )لَقِيلَ: عَرَبِيُّ، فَيَشْتَبِهُ المَعْنَى، فَإِنَّ (( العَرَبِيَّ ) )كُلُّ مَن هُو مِن وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، سَواءٌ كَانَ سَاكِنًا بِالبَادِيَةِ أَو بِالقُرَى، وَهَذَا غَيْرُ المَعْنَى الأَوَّلِ.

وَزَجْرُ النَّاسِ لَهُ مِنْ بَابِ المُبَادَرَةِ إِلَى إِنْكَارِ المُنْكَرِ عِنْدَ مَن يَعْتَقِدُهُ مُنْكَرًا، وَفِيهِ تَنْزِيهُ المَسْجِدِ عَن الأَنْجَاسِ كُلِّهَا، وَنَهىَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ عَن زَجْرِهِ، لِأَنَّهُ إِذَا قَطَعَ عَلَيْهِ البَوْلَ أدَّى إِلَى ضَرَرِ بِنْيَتِهِ، وَالمَفْسَدَةُ الَّتِي حَصَلَتْ بِبَوْلِهِ قَدْ وَقَعَتْ، فَلَا تُضَمُ إِلَيْهَا مَفْسَدَةٌ أُخْرَى، وَهِي ضَرَرُ بِنْيَتِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا زُجِرَ - مَعَ جَهْلِهِ الَّذِي ظَهَرَ مِنْهُ - قَدْ يُؤدِي إِلَى تَنْجِيسِ مَكَانٍ آخَرَ مِن المَسْجِدِ بِتَرْشِيشِ البَوْلِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تُرِكَ حَتَّى يَفْرُغَ مِن البَوْلِ، فَإِنَّ الرَّشَاشَ لَا يَنْتَشِرُ، وَفِي هَذَا الإِبَانَةُ عَن جَمِيلِ أَخْلَاقِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت