قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (وَأَيْدِيَكُمْ ... وَأَرْجُلِكُمْ) . وَقَولُهَا: (( وَفِي شَأنِهِ كُلِّه ِ ) )، عَامٌّ يُخَصُّ، فَإِنَّ دُخُولَ الخَلَاءِ وَالخُرُوجَ مِن المَسْجِدِ يَبْدَأُ فِيهِمَا بِاليَسَارِ، وَكَذَلِكَ مَا يُشَابِهُهُمَا.
10 -الحَدِيثُ العَاشِرُ: عَنْ نُعَيْمٍ المُجْمِرِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( إِنَّ أُمَّتِى يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِيْنَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ ) ).
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إِلَى السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِيْنَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ ) ). وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: سَمِعْتُ خَلِيلِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( تَبْلُغُ الحِلْيةُ مِن الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ ) ). الكَلَامُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ مِن وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَولُهُ: (( الْمُجْمِرِ ) )، بِضَمِّ المِيمِ وَسُكُونِ الجِيمِ، وَكَسْرِ المِيمِ الثَّانِيَةِ، وُصِفَ بِهِ أَبُو نُعَيْمِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ لأَنَّهُ كَانَ يُجْمِرُ المَسْجِدَ، أيْ يُبَخِّرُهُ.
الثَّانِي: قَولُهُ: (( إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِيْنَ ) )يَحْتَمِلُ (( غُرًّا ) )وَجْهَينِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِيُدْعَوْنَ، كَأَنَّهُ بِمَعْنَى يُسَمَّونَ غُرًّا. وَالثََّانِي: - وَهُوَ الأَقْرَبُ - أَنْ يَكُونَ حَالًا، كَأَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ إِلَى مَوقِفِ الحِسَابِ أَو المِيزَانِ، أَو غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُدْعَى النَّاسُ إِلَيْهِ يَومَ القِيَامَةِ، وَهُمْ بِهَذِهِ الصَّفَةِ، أَيْ غُرًّا مُحَجَّلِيْنَ، فَيُعَدَّى (( يُدْعَوْنَ ) )فِي المَعْنَى بِالحَرْفِ، كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ) آلُ عِمْرَان: 23]، وَيَجُوزُ أَنْ لا يَتَعَدَّى (( يُدْعَونَ ) )بِحَرْفِ الجَرِ، وَيَكُونُ (( غُرًّا ) )حَالًا أَيضًا، وَالغُرَّةُ فِي الوَجْهِ، وَالتَّحْجِيلُ فِي اليَدَيْنِ وَالرِّجْلَينِ.
الثَّالِثُ: المَرْوِيُّ المَعْرُوفُ فِي قَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ ) )الضَّمُّ فِي (( الوُضُوءِ ) )، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِالفَتْحِ، أَيْ مِن آثَارِ المَاءِ المُسْتَعْمَلِ فِي الوُضُوءِ، فَإِنَّ الغُرَّةَ وَالتَّحْجِيلَ نَشَآ عَن الفِعْلِ بِالمَاءِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا.
الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: (( فَمَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ ) )، اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى لَفْظِ (( الغُرَّةِ ) )هُنَا، دُونَ التَّحْجِيلِ - وَإِنْ كَانَ الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ التَّحْجِيلِ أَيْضًا، وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِن بَابِ التَّغْلِيبِ لِأَحَدِ الشَّيْئَينِ عَلَى الآخَرِ إذَا كَانَا بِسَبِيلٍ وَاحِدٍ، وَقَد اسْتَعْمَلَ الفُقَهَاءُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَالُوا: يُسْتَحَبُّ تَطْوِيلِ الغُرَّةِ، وَأَرَادُوا الغُرَّةَ وَالتَّحْجِيلَ، وَتَطْوِيلُ الغُرَّةِ فِي الوَجْهِ بِغَسْلِ جُزْءٍ مِن الرَّأْسِ، وَفِي اليَدَينِ بِغَسْلِ بَعْضِ العَضُدَينِ، وَفِي الرِّجْلَيْنِ بِغَسْلِ بَعْضِ السَّاقَينِ، وَلَيْسَ فِي الحَدِيثِ تَقْيِيدٌ وَلَا تَحْدِيدٌ لِمِقْدَارِ مَا يُغْسَلُ مِن العَضُدَينِ وَالسَّاقَينِ، وَقَد اسْتَعْمَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ الحَدِيثَ عَلَى إِطْلَاقِهِ وَظَاهِرِهِ فَي طَلَبِ إِطَالَةِ الغُرَّةِ، فَغَسَلَ إِلَى قَرِيبٍ مِن المَنْكِبَينِ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ كَثِيرٌ مِن الفُقَهَاءِ، وَرَأيْتُ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ ذَكَرَ أَنَّ حَدَّ ذَلِكَ نِصْفُ العَضُدِ، وَنِصْفُ السَّاقِ. أ. هـ.