وَالأَوَّلُ أَقْرَبُ. وَقَولُهُ: (( إِذَا قَامَ مِن اللَّيْلِ ) )ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي تَعْلِيقَ الحُكْمِ بِمُجَرَّدِ القِيَامِ، ويَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ: إِذَا قَامَ مِن اللَّيْلِ للصَّلَاةِ، فَيَعُودُ إِلَى مَعْنَى الحَدِيثِ الأَوَّلِ.
19 -الحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَن عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِي، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَصَرَهُ، فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ فَقَضَمْتُهُ فَطَيَّبْتُهُ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَنَّ بِهِ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَنَّ اسْتِنَانًا أَحْسَنَ مِنْهُ، فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَفَعَ يَدَهُ - أَوْ إِصْبَعَهُ - ثُمَّ قَالَ: (( فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى ) )ثَلَاثًا، ثُمَّ قَضَى، وَكَانَتْ تَقُولُ: مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي.
وَفِي لَفْظٍ: فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ.
هَذَا لَفْظُ البُّخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ.
20 -الحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَسْتَاكُ بِسِوَاكٍ رَطْبٍ، قَالَ: وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: (( أُعْ، أُعْ ) )وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ كَأَنَهُ يَتَهَوَّعُ.
(( أَبُو مُوسَى ) )عَبْدُ اللهِ بنُ قَيْسِ بنِ سُلَيْمِ بنِ حِضَارٍ - وَيُقَالُ: حَضَّارٍ - الأَشْعَرِيُّ، مَعْدُودٌ فِي أَهْلِ البَصْرَةِ، أَحَدُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَمَشَاهِيرِهِمْ، وَذَكَرَ ابنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَهُوَ ابنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَينِ وَأَرْبَعِينَ. وَقَالَ الوَاقِدِيُّ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: (( فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) )، يُقَالُ: أَبْدَدْتُ فُلَانًا البَصَرَ، إِذَا طَوَلْتَهُ إِلَيْهِ، وَكَأَنَّ أَصْلَهُ مِن مَعْنَى التَّبْدِيدِ، الَّذِي هُوَ التَّفْرِيقُ. وَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيزِ لَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ قَالَ: أَجْلِِسُونِي، فَأَجْلَسُوهُ، فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَمَرْتَنِي فَقَصَّرْتُ، وَنَهَيْتَنِي فَعَصْيتُ، وَلَكِنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَأبَدَّ النَّظَرَ، فَقَالَ: إِنَّي لَأَرَى حَضْرَةً، مَا هُمْ بِإِنْسٍ وَلَا جِنٍّ، ثُمُّ قُبِضَ.
وَقَولُهَا: (( بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي ) )، قِيلَ: (( الذَّاقِنَةُ ) )نُقْرَةُ النَّحْرِ، وَقِيلَ: طَرَفُ الحُلْقُومِ، وَقِيلَ: أَعْلَى البَطْنِ. وَ (( الحَواقِنُ ) )أََسَافِلُهُ، وَكَأَنَّ المُرَادَ: مَا يَحْقِنُ الطَّعَامَ، أَيْ يَجْمَعُهُ، وَمِنْهُ المِحْقَنَةُ - بِكَسْرِ المِيمِ - الَّتِي يُحْتَقَنُ بِهَا، وَمِن كَلَامِ العَرَبِ: لَأَجْمَعَنَّ بَيْنَ ذَواقِنِكَ وَحَواقِنِكَ.
وَفِي الحَدِيثِ الاسْتِيَاكُ بِالرَّطْبِ. وَقَد قَالَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ: إِنَّ الأَخْضَرَ لِغَيْرِ الصَّائِمِ أَحْسَنُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ بِيَابِسٍ، قَد نُدِّيَ بِالمَاءِ. وَفِيهِ إصْلَاحُ السِّوَاكِ وَتَهيِئَتُهُ، لِقَولِ عَائِشَةَ: (( فَقَضَمْتُهُ ) )، وَالقَضْمُ بِالأَسْنَانِ. وَمِن طَلَبِ الإِصْلَاح قَولُ مَن قَالَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ بِيَابِسٍ قَدْ نُدِّيَ بِالمَاءِ، لِأَنَّ اليَابِسَ أَبْلَغُ فِي الإِزَالَةِ، وَتَنْدِيَتُهُ بِالمَاءِ لِئَلَّا يَجْرَحُ اللِّثَةَ لِشَدَّةِ يَبْسِهِ. وَفِي