كَالأََوصَافِ الحِسِّيَّةِ، وَهُمْ مُطَالَبُونَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَدُلُّ عَلَى إثبَاتِ هَذَا المَعْنَى الرَّابِعِ، الَّذِي ادَّعُوْهُ مُقَدَّرًا قَائمًا بِالأَعْضَاءِ , فَإِنَّهُ مَنْفِيٌّ بِالحَقِيقَةِ، وَالأَصْلُ مُوَافَقَةُ الشَّرْعِ لَهَا، وَيَبْعُدُ أَنْ يَأتُوا بِدَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ. وَأَقْرَبُ مَا يُذكَرُ فِيهِ أَنَّ المَاءَ المُسْتَعْمَلَ قَد انْتَقَلَ إِليهِ المَانِعُ، كَمَا يُقَالُ، وَالمَسْألةُ مُتَنَازَعٌ فِيهَا، فَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ بِطُهُورِيَّةِ المَاءِ المُستَعْمَلِ، وَلو قِيلَ بِعَدَمِ طُهُورِيَّتِهِ أَوْ بِنَجَاستِهِ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ انتِقَالُ مَانِعٍ إليهِ، فَلا يَتِمُّ الدَّلِيلُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
الوَجْهُ الثَّالِثُ: اسْتَعْمَلَ الفُقَهَاءُ (( الحَدَثَ ) )عَامًّا فِيمَا يُوجِبُ الطَّهَارَةَ، فَإِذَا حُمِلَ الحَدِيثُ عَلَيهِ - أَعْنِي قَولَهُ: (( إِذَا أَحْدَثَ ) )- جَمَعَ أنوَاعَ النَّوَاقِضِ عَلَى مُقتَضَى هَذَا الاسْتِعْمَالِ، لكِنْ أبُو هُرَيرَةَ قَد فَسَّرَ الحَدَثَ فِي بَعْضِ الأحَادِيثِ - لَمَّا سُئِلَ عَنْهُ - بأَخَصَّ مِنْ هَذَا الاِصطِلاَحِ، وَهُوَ الرِّيحُ، إِمَّا بِصَوْتٍ أَوْ بِغَيْرِ صْوتٍ، فقِيلَ لَهُ: (( يَا أَبَا هُرَيرَةَ، مَا الحَدَثُ؟ فَقَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ ) )، وَلعَلَّهُ قامَتْ لَهُ قَرَائِنُ حَاليةٌ اقتَضَتْ هَذَا التَّخْصِيصَ.
الوَجْهُ الرَّابِعُ: اسْتُدِلَّ بِهَذَا الحَدِيثِ عَلَى أنَّ الوُضُوءَ لا يَجِبُ لِكُلِّ صَلاةٍ، وَوَجْهُ الاستِدْلاَلِ بِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَى القَبُولَ مُمْتَدًّا إِلَى غَايةِ الوُضوءِ، وَمَا بَعْدَ الغَايةِ مُخَالفٌ لِمَا قَبْلهَا، فيَقْتَضِي ذَلِكَ قَبُولَ الصَّلاةِ بَعْدَ الوُضوءِ مُطْلَقًا، وَتَدْخُلُ تَحتَهُ الصَّلاةُ الثَّانيَةُ قبْلَ الوُضوءِ لَهَا ثَانيًا.
3 -الحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَن عَبْدِ اللِّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، وَأَبِي هُرَيرَةَ، وَعَائِشَةَ، رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ، قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِن النَّارِ ) ).
الحَديثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وجُوبِ تَعْمِيمِ الأَعْضَاءِ بِالمُطَهِّرِ، وَأنَّ تَرْكَ البَعْضِ مِنْهَا غَيرُ مُجْزِئٍ، وَنَصُّهُ إِنَّمَا هُوَ فِي الأَعْقَابِ، وَسَبَبُ التَّخْصِيصِ أَنَّهُ ورَدَ عَلَى سَبَبٍ، وَهُوَ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى قَوْمًا وَأَعْقَابُهُم تَلُوحُ، وَالأَلِفُ واللَّامُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ للعَهْدِ، وَالمُرَادُ الأَعقَابُ الَّتِي رَآهَا كَذَلِكَ لَمْ يَمَسَّهَا المَاءُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لاَ تُخَصَّ بِتِلْكَ الأَعقَابِ الَّتِي رَآهَا كَذَلِكَ، وَتَكُونُ الأَعْقَابَ الَّتِي صِفَتُهَا هَذِهِ الصِّفَةُ، أَىْ الَّتِي لا تُعَمَّمُ بِالمُطَهِّرِ، وَلا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الأَلِفُ وَاللَّامُ للعُمُومِ المُطْلَقِ، وقدْ ورَدَ فِي بعْضِ الرِّوايَاتِ: رَآنَا وَنَحْنُ نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَقَالَ: (( وَيْلٌ للأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ ) )، فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الأرْجُلِ غَيْرُ مُجْزِئٍ، وَهُوَ عِنْدِي لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لأنَّهُ قَدْ فُسِّرَ فِي الرِّوايةِ الأُخْرى أَنَّ الأَعْقَابَ كَانَتْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ هَذَا مُوجِبٌ للْوعِيدِ بالاتِّفاقِ.
والَّذِينَ استدَلُّوا عَلَى أنَّ المَسحَ غَيْرُ مُجْزِئٍ، إِنَمَّا اعْتَبَرُوُا لَفْظَ هَذِهِ الرِّوايَةِ فقَطْ، وَقَدْ رَتَّبَ فِيهَا الوَعِيدَ عَلَى مُسَمًّى، وَلَيسَ فِيهَا تَرْكُ بَعْضِ العُضوِ، والصَّوابُ - إِذَا جُمِعَتْ طُرُقُ الحدِيثِ - أنْ يُستَدَلَّ بَعْضُها على بْعضٍ، وَيُجْمَعَ ما يُمْكِنُ جَمْعُهُ فِيْهِ يَظْهَرُ المُرَادُ، واللَّهُ أَعْلَمُ. ويُستَدَلُّ بِالحَدِيثِ عَلَى أنَّ (( العَقِبَ ) )مَحَلٌّ للتَّطْهِيرِ، فَيَبْطُلُ قَولُ مَن يكْتَفِي بالتطْهيرِ فيمَا دونَ ذَلِكَ.
4 -الحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لْيَنْتَثِرْ، وَمَن اسْتَجْمَرَ فلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِن نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الإِنَاءِ ثَلاَثًا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ) ).