فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 381

فِي الحَدِيثِ دَليلٌ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ مُؤذِّنَيْنِ فِي المَسْجِدِ الوَاحِدِ. وَقَدْ اسْتَحَبَّهُ أصْحَابُ الشَّافِعِيِّ. وَأمَّا الاقْتِصَارُ عَلَى مُؤذِّنٍ وَاحِدٍ فَغْيرُ مَكْرُوهٍ. وَفَرْقٌ بينَ أنْ يكونَ الفِعْلُ مُسْتَحَبًّا، وَبَينَ أنْ يكونَ تَرْكُهُ مَكْرُوهًا، كَمَا تقدَّمَ. أمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى مُؤذِّنَيْنِ: فَلَيْسَ فِي الحَدِيثِ تَعْرُّضٌ لَهُ. وَنُقِلَ عَن بَعْضِ أصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أنَّهُ تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعَةٍ، وَهُو ضَعِيفٌ.

وَفيهِ دَلِيلٌ عَلَى أنَّهُ إِذَا تَعَدَّدَ المُؤذِّنُ فَالمُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَرَتَّبُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ. إِذا اتَّسَعَ الوَقْتُ لِذلكَ، كَما فِي أَذَانِ بِلالٍ وابنِ أمِّ مَكْتُومٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فَإنَّهُمَا وقَعَا مُتَرَتِّبَيْنِ؛ لَكِنْ فِي صَلاةٍ يَتَّسِعُ وَقْتُ أدَائِهَا، كَصَلاةِ الفَجْرِ. وَأمَّا فِي صَلاةِ المَغْرِبِ: فَلَمْ يُنْقَلْ فيها مُؤذِّنَانِ. وَالفُقَهَاءُ مِن أصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَالُوا: يَتَخَيَّرُونَ بَيْنَ أنْ يُؤذِّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي زَاوِيَةٍ مِن زَوَايَا المَسْجِدِ، وَبَينَ أَنْ يَجْتَمِعُوا وَيُؤَذِّنُوا دَفْعَةً وَاحِدَةً.

وِفِي الحَديثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الأذَانِ لِلصُّبحِ قَبلَ دُخُولِ وَقْتِهَا. ذَهَبَ إليهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَالمَنْقُولُ عَن أَبِي حَنِيفَةَ خِلافُهُ؛ قِياسًا عَلَى سَائِرِ الصَّلواتِ.

والَّذِينَ قالُوا بِجَوازِ الأَذَانِ للصُّبحِ قَبلَ دُخُولِ وَقْتِهَا اخْتَلَفُوا فِي وَقتِهِ، وذَكَرَ بَعْضُ أصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ يَكونُ فِي وَقْتِ السَّحَرِ بينَ الفَجْرِ الصَّادِقِ وَالكَاذِبِ، قَالَ: وَيُكْرَهُ التَّقْدِيمُ عَلَى ذَلِكَ الوَقْتِ. وَقَدْ يُؤخَذُ مِن الحَديثِ مَا يُقَرِّبُ هَذَا. وَهُوَ أنَّ قَولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إنَّ بِلالًا يُؤذِّنُ بِلَيْلٍ ) )إِخْبَارٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَائِدَةٌ لِلسَّامِعِينَ قَطْعًا. وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ وَقْتُ الأَذَانِ مُشْتَبِهًا مُحْتَمِلًا لأَنْ يَكُونَ وَقْتَ طُلُوعِ الفَجْرِ. فَبَيَّنَ أنَّ ذَلكَ لا يَمْنَعُ الأكْلَ وَالشُّرْبَ إِلَّا عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ الصَّادِقِ , وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَقَارُبِ وَقْتِ أَذَانِ بِلالٍ مِنَ الفَجْرِ.

وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جُوازِ أَنْ يَكونَ المُؤذِّنُ أَعْمَى. فَإِنَّ ابنَ أمِّ مَكْتُومٍ كَانَ أَعمَى. وفيهِ دَليلٌ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الأعمَى للبَصِيرِ فِي الوَقْتِ، أو جَوازِ اجْتِهَادِهِ فيهِ. فَإنَّ ابنَ أُمِّ مَكْتُومٍ لابُدَّ لَهُ مِن طَرِيقٍ يَرْجِعُ إِلَيهِ فِي طُلُوعِ الفَجْرِ، وَذَلِكَ إِمَّا سَمَاعٌ مِن بَصِيرٍ، أو اجْتِهَادٌ. وَقدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ (( وَكانَ لا يُؤذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ ) )وهَذَا يدلُّ عَلَى رُجُوعِهِ إِلَى البَصِيرِ، وَلَو لَمْ يَرِدْ ذَلكَ لَم يَكُنْ فِي اللَّفْظِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ رُجُوعِهِ إِلَى الاجْتِهَادِ بِعَيْنِهِ، لأنَّ الدَّالَّ عَلَى أحَدِ الأمْرَينِ مُبْهَمًا لا يَدُلُّ عَلَى واحِدٍ مِنهُمَا مُعيَّنًا. واسمُ ابنِ أمِّ مَكْتُومٍ فِيمَا قِيلَ: عَمْرُو بنُ قَيسٍ. واللهُ أَعْلمُ.

67 -الحَديثُ الرَّابِعُ: عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ) ). الكلامُ عَليهِ مِن وُجُوهٍ.

أَحَدُهُا: إِجَابَةُ المُؤذِّنِ مَطْلُوبَةٌ بِالاتِّفَاقِ، وَهَذَا الحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الإجَابَةِ، وَظَاهِرُ هَذَا الحَديثِ: أنَّ الإجَابَةَ تَكُونُ بِحِكَايَةِ لَفْظِ المُؤَذِّنِ فِي جَمِيعِ أَلْفَاظِ الأذَانِ، وذَهبَ الشَّافِعِيُّ إلى أنَّ سَامِعَ المُؤذِّنِ يُبدِلُ الحَيْعَلَةَ بِالحَوْلَقَةِ - وَيُقَالُ الحَوْقَلَةُ - لِحَديثٍ وَردَ فِيهَا، وَقَدَّمَهُ عَلَى الأَوَّلِ لِخُصُوصِهِ وَعُمُومِ هَذَا. وَذَكَرَ فِيهِ مِن المَعْنَى: أنَّ الأذْكَارَ الخَارِجَةَ عَن الحَيْعَلَةِ يَحْصُلُ ثَوابُهَا بِذِكْرِهَا، فَيَشْتَرِكُ السَّامِعُ وَالمُؤذِّنُ فِي ثَوابِها إذَا حَكَاهَا السَّامعُ، وأمَّا الحَيْعَلَةُ فَمَقْصُودُها الدُّعَاءُ. وَذَلِكَ يَحْصُلُ مِن المُؤذِّنِ وَحْدَهُ، وَلا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ مِن السَّامعِ، فَعُوِّضَ عَن الثَّوابِ الَّذِي يَفُوتُهُ بِالحَيْعَلَةِ الثوابَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ بِالحَوْقَلَةِ، وَمِن العُلَمَاءِ مَن قَالَ: يَحْكِيهِ إِلَى آخِرِ التَّشَهُّدَينِ فَقَطْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت