كَيْفَ تَرْجُونَ سُقُوطِي بَعْدَمَا لَفَّعَ الرَّأْسَ بَيْاضٌ وَصَلَعْ؟
وَالِلِّفَاعُ: مَا الْتُفِعَ بِهِ. وَالِلِّحَافُ: مَا الْتُحِفَ بِهِ.
وَقَدْ فَسَّرَ المُصَنِّفُ المُرُوَطَ بِكَوْنِهَا أَكسِيَةً مِن صُوفٍ أَوْ خَزٍّ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي صِفَتِهَا: أَنْ تَكُونَ مُرَبَّعَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ سَدَاهَا مِن شَعْرٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الحَدِيثِ عَلَى هَذَا. وَقَالُوَا: إِنَّ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ:
* عَلَى أثَرَينَا ذَيْلُ مِرْطٍ مُرَجَّلِ *
قَالُوا: المِرْطُ هَهُنَا مِن خَزٍّ.
وَفُسِّرَ الغَلَسُ بِأَنَّهُ اخْتِلَاطُ ضِيَاءِ الصُّبْحِ بِظُلْمَةِ الْلَيلِ. وَالغَلَسُ وَالغَبَشُ مُتَقَارِبَانِ، وَالفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الغَلَسَ فِي آخِرِ الْلَيلِ، وَقَدْ يَكُونُ الغَبَشُ فِي آخِرِهِ وَأَوَّلِهِ، وَأَمَّا مَن قَالَ: الغَبَسُ بِالغَيْنِ وَالبَاءِ وَالسِّينِ المُهْمَلَةِ فَغَلَطٌ عِنْدَهُمْ.
47 -الحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَن جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ، وَالعَصْرَ وَالشَّمْسَ نَقِيَّةً , وَالمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالعِشَاءَ أَحْيَانًا؛ وَأَحْيَانًا إِذَا رَآهُم اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُم أَبْطَأُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ.
الهَاجِرَةُ: هِيَ شِدَّةُ الحَرِّ بَعْدَ الزَّوَالِ.
الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الفَضِيلَةِ فِي أَوْقَاتِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ. فَأَمَّا الظُّهْرُ: فَقَولُهُ: يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِهَا فِي أَوَّلِ الوَقْتِ، فَإِنَّهُ قَد قِيلَ فِي الهَاجِرَةِ وَالهَجِيرِ: إِنَّهُمَا شِدَّةُ الحَرِّ وَقُوَّتُهُ. وَيُعَارِضُهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ الآخَرِ: (( إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا ) )وَيُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ اسْمَ (( الهَاجِرَةِ ) )عَلَى الوَقْتِ الَّذِي بَعْدَ الزَّوَالِ مُطْلَقًا. فَإِنَّهُ قَد تَكُونُ فِيهِ الهَاجِرَةُ فِي وَقْتٍ، فَيُطْلَقُ عَلَى الوَقْتِ مُطْلَقًا بِطَرِيقِ المُلَازَمَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتُ الصَّلَاةِ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ. وَفِيهِ بُعْدٌ وَقَدْ يَقْرُبُ بِمَا نُقِلَ عَن صَاحِبِ"العَيْنِ": أَنَّ الهَجِيرَ وَالهَاجِرَةَ نِصْفُ النَّهَارِ. فَإِذَا أُخِذَ بِظَاهِرِ هَذَا الكَلَامِ: كَانَ مُطْلَقًا عَلَى الوَقْتِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: وهُوَ أَنَّ الفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الإبْرَادَ رُخْصَةٌ أَوْ سُنَّةٌ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ رُخْصَةٌ، فَيَكُونُ قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَبْرِدُوا ) )أَمْرَ إِبَاحَةٍ، وَيَكُونُ تَعْجِيلُهُ لَهَا فِي الهَاجِرَةِ أَخْذًا بِالأَشَقِّ وَالأَوْلَى. أَوْ يَقُولُ مَن يَرَى أَنَّ الإبْرَادَ سُنَّةٌ: إِنَّ التَّهْجِيرَ لِبَيَانِ الجَوَازِ. وَفِي هَذَا بُعْدٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: كَانَ يُشْعِرُ بِالكَثْرَةِ وَالمُلَازَمَةِ عُرْفًا.
وَقَولُهُ: وَالعَصْرَ وَالشَّمْسَ نَقِيَّةً يَدُلُّ عَلَى تَعْجِيلِهَا أَيْضًا، خِلَافًا لِمَن قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا مَا بَعْدَ القَامَتَينِ.
وَقَوْلُهُ: وَالمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ أَي: الشَّمْسُ. الوُجُوبُ: السُّقُوطُ. وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ سُقُوطَ قُرْصِهَا يَدْخُلُ بِهِ الوَقْتُ. وَالأَمَاكِنُ تَخْتَلِفُ، فَمَا كَانَ مِنْهَا فِيهِ حَائِلٌ بَيْنَ الرَّائِي وَبَيْنَ قُرْصِ الشَّمْسِ، لَمْ يُكْتَفَ بَغَيْبُوبَةِ القُرْصِ عَن الأَعْيُنِ وَيُسْتَدَلُّ عَلَى غُرُوبِهَا بِطُلُوعِ الْلَيلِ مِن المَشْرِقِ. قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِن هَهُنَا، وَطَلَعَ الْلَيلُ مِن هَهُنَا. فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ ) )أَوْ كَمَا قَالَ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَائِلٌ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إِنَّ الوَقْتَ يَدْخُلُ بِغَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ وَإِشْعَاعِهَا