الآيةِ , والصلاةَ الأُولَى بعدَهُ.
وقولُ عائشةَ فِي بعضِ الرِّواياتِ: (( يتأوَّلُ القرآنَ ) )قَدْ يُشعرُ بأنهُ يفعلُ مَا أُمرَ بِهِ فِيْهِ، فإن كَانَ الفتحُ ودخولُ النَّاسِ فِي دينِ اللهِ أفواجًا حاصلًا عندَ نزولِ الآيةِ، فكيفَ يُقَالُ فيهَا: (إِذَا جَاءَ) وإنْ لمْ يكنْ حاصلًا، فكيفَ يكونُ القولُ امْتِثَالًا للأمرِ الواردِ بِذَلِكَ، ولم يوجدْ شرطُ الأمرِ بِهِ؟
وجوابُه أنْ نختارَ أنهُ لمْ يكنْ حاصلًا عَلَى مقتضَى اللَّفظِ، ويكونُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بادرَ إِلَى فعلِ المأمورِ بِهِ قبلَ وقوعِ الزَّمنِ الَّذِي تعلَّق بِهِ الأمرُ فِيْهِ، إذْ ذَلِكَ عبادةٌ وطاعةٌ لاَ تختصُّ بوقتٍ معيَّنٍ، فَإِذَا وقعَ الشَّرطُ كَانَ الواقعُ من هَذَا القولِ - بعدَ وقوعهِ - واقعًا عَلَى حسبِ الامتثالِ، وقبلَ وقوعِ الشرطِ، واقعًا عَلَى حسبِ التَّبرُّعِ، وَلَيْسَ فِي قولِ عائشةَ: (( يتَأوَّلُ القرآنَ ) )مَا يقتضِي - ولابدَّ - أنْ يكونَ جميعُ قولهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واقعًا عَلَى جهةِ الامتثالِ للمَأمورِ، حَتَّى يكونَ دالاًّ عَلَى وقوعِ الشَّرطِ، بلْ مقتضاهُ أنْ يفعلَ تأويلَ القرآنِ وَمَا دلَّ عَلَيْهِ لفظُه فقطْ، وجازَ أنْ يكونَ بعضُ هَذَا القولِ فعلًا لطاعةٍ مبتدأةٍ، وبعضُه امتثالًا للأمرِ، واللهُ أعلمُ.
126 -الحديثُ الأوَّلُ: عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى المنْبَرِ: مَا تَرَى فِي صَلاَةِ الْلَيلِ؟ قَالَ: (( مَثْنَى، مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُم الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صلَّى ) )وَإِنَّهُ كَانَ يقولُ: (( اجْعَلُوا آخِرَ صلاتِكُمْ بِالْلَيلِ وِتْرًا ) ).
الكلامُ عَلَى هَذَا الحديثِ من وجوهٍ:
أحدُها: قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( صَلاَةُ الْلَيلِ مَثْنَى مَثْنَى ) )أخذَ بِهِ مالكٌ، رحمهُ اللهُ، فِي أنهُ لاَ يُزادُ فِي صلاةِ النَّفلِ عَلَى ركعتينِ، وَهُوَ ظاهرُ هَذَا اللَّفظِ فِي صلاةِ الْلَيلِ، وَقَدْ وردَ حديثٌ آخرُ: (( صلاةُ الْلَيلِ والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى ) )، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنه ظاهرُ اللفظِ، لأنَّ المبتدأَ محصورٌ فِي الخبرِ، فيقتضِي ذَلِكَ حَصْرَ صلاةِ الْلَيلِ فيمَا هُوَ مَثْنَى، وَذَلِكَ هُوَ المقصودُ، إذ هُوَ ينافِي الزِّيادةَ، فَلَوْ جازتِ الزِّيادةُ لَمَا انحصرتْ صلاةُ الْلَيلِ فِي المثنَى، وَهَذَا يعارضُه ظاهرُ حديثِ عائشةَ الآتِي، وَقَدْ أخذَ بِهِ الشَّافعيُّ، وأجازَ الزيادَة عَلَى ركعتينِ مِن غيرِ حصرٍ فِي العددِ، وذكرَ بعضُ مصنِّفي أصحابهِ شرطينِ فِي ذَلِكَ، وحاصلُ قولهِ: إِنَّه متَى تنفَّلَ بأزيدَ مِن ركعتينِ، شفعًا أَوْ وِترًا، فَلاَ يزيدُ عَلَى تشهُّدينِ، ثُمَّ إنْ كَانَ المتنفَّلُ بِهِ شفعًا، فَلاَ يزيدُ بَيْنَ التشهدينِ عَلَى ركعتينِ، وإنْ كَانَ وِترًا، فَلاَ يزيدُ بَيْنَ التشهُّدينِ عَلَى ركعةٍ، فَعَلَى هَذَا إِذَا تنفَّلَ بعشرٍ، جلسَ بعدَ الثامنةِ، وَلاَ يجلسُ بعدَ السَّابعةِ، وَلاَ بعدَ مَا قبلَها من الرَّكعاتِ، لأنهُ حينئذٍ يكونُ قَدْ زادَ عَلَى ركعتينِ بَيْنَ التَّشهدينِ، فَإِذَا تنفَّلَ بخمسٍ - مثلًا - جلسَ بعدَ الرَّابعةِ، وبعدَ الخامسةِ إنْ شَاءَ، أَوْ بسبعٍ، فبعدَ السَّادسةِ والسَّابعةِ، وإن اقتصرَ عَلَى جلوسٍ واحدٍ فِي كلِّ ذَلِكَ جازَ، وَإِنَّمَا ألجأَهُ إِلَى ذَلِكَ تشبيهُ النَّوافلِ بالفرائضِ، والفريضةُ الوترُ هيَ صلاةُ المغربِ، وَلَيْسَ بَيْنَ التَّشهُّدينِ فيهَا أكثرُ من ركعةٍ، والفرائضُ الشَّفعُ لَيْسَ بَيْنَ التَّشهدينِ فيهَا أكثرُ من ركعتينِ، ولمْ يتَّفقْ أصحابُ الشَّافعيِّ عَلَى هَذَا الَّذِي ذكرهُ.