فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 381

الوجهُ الثَّانِي من الكلامِ عَلَى الحديثِ: أنهُ كَانَ يقتضِي ظاهرُهُ عدمَ الزِّيادةِ عَلَى ركعتينِ، فَكَذَلِكَ يقتضِي عدمَ النُّقصانِ منهُمَا، وَقَد اختلفُوا فِي التنفُّلِ بركعةٍ فَردةٍ، والمذكورُ فِي مذهبِ الشَّافعيِّ جوازُهُ، وعن أبي حنيفةَ منعُه، والاستدلالُ بِهِ لِهَذَا القولِ كَمَا تقدَّمَ، وَهُوَ أولَى مِن استدلالِ مَن استدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بأنهُ لَوْ كانتِ الرَّكعةُ الفَردةُ صلاةً لَمَا امتنعَ قصرُ صلاةِ الصُّبحِ والمغربِ، فإنَّ ذَلِكَ ضعيفٌ جدًّا.

الوجهُ الثَّالثُ: يقتضِي الحديثُ تقديمَ الشَّفعِ عَلَى الوِترِ من قولهِ: (( صلاةُ الْلَيلِ مَثْنَى مَثْنَى ) )، وقولُهِ: (( توترُ لَهُ مَا صلَّى ) )فَلَوْ أوترَ بعدَ صلاةِ العشاءِ مِنْ غيرِ شفعٍ، لمْ يكنْ آتيًا بالسُّنَّةِ، وظاهرُ مذهبِ مالكٍ أنهُ لاَ يوترُ بركعةٍ فردةٍ هكذَا مِنْ غيرِ حاجةٍ.

الوجهُ الرَّابعُ: يُفهمُ مِنْهُ انتهاءُ وقتِ الوترِ بطلوعِ الفجرِ مِن قولهِ: (( فَإِذَا خشيَ أحدُكم الصُّبحَ ) )وَفِي مذهبِ الشَّافعيِّ وجهانِ: أحدُهما: أنَّهُ ينتهي بطلوعِ الفجرِ. والثَّانِي: ينتهِي بصلاةِ الصُّبحِ.

الوجهُ الخامسُ: قَدْ يَستدلُّ بصيغةِ الأمرِ مَنْ يَرى وجوبَ الوترِ، فإنْ كَانَ يرَى بوجوبِ كونهِ آخرَ صلاةِ الْلَيلِ، فاستدلالٌ قريبٌ، وَلاَ أعلمُ أحدًا قَالَ ذَلِكَ، وإنْ كَانَ لاَ يرَى بِذَلِكَ، فيحتاجُ أنْ يَحْمِلَ الصيغةَ عَلَى النَّدبِ، وَلاَ يستقيمُ الاستدلالُ بِهَا عَلَى وجوبِ أصلِ الوترِ عندَ مَنْ يمنعُ مِنِ استعمالِ اللفظِ الواحدِ فِي الحقيقةِ والمجازِ، وَإلاَّ كَانَ جمعًا بَيْنَ الحقيقةِ والمجازِ فِي لفظةٍ واحدةٍ، وهيَ صيغةُ الأمرِ.

الوجهُ السادسُ: يقتضِي الحديثُ أن يكونَ الوترُ آخرَ صلاةِ الْلَيلِ، فَلَوْ أوترَ ثُمَّ أرادَ التنفُّلَ، فهل يشفعُ وترَه بركعةٍ أُخرى ثُمَّ يصلِّي؟ فِيْهِ وجهانِ للشافعيَّةِ وإنْ لمْ يشفعْهُ بركعةٍ ثُمَّ تنفَّلَ، فهلْ يعيدُ الوترَ أخيرًا؟ فِيْهِ قولانِ للمالكيَّةِ، فيمكنُ كلُّ واحدٍ من الفريقينِ أنْ يَستدلَّ بالحديثِ بعدَ تقديمِ مقدمةٍ لكلِّ واحدٍ منهمَا يُحتاجُ إِلَى إثباتِها، أمَّا مَنْ قَالَ: إنهُ يشفعُ وترَهُ فيقولُ: الحديثُ يَقتضِي أن يكونَ آخرُ صلاةِ الْلَيلِ وترًا، وَذَلِكَ يتوقَّفُ عَلَى أنْ لاَ يكونَ قبلهُ وترٌ، لِمَا جَاءَ فِي الحديثِ: (( لاَ وترانِ فِي الْلَيلةِ ) )فلزمَ عن ذَلِكَ أن يشفعَ الوتْرَ الأوَّلَ، فإنهُ إن لمْ يشفعْهُ وأعادَ الوترَ، لزمَ وِترَانِ فِي ليلةٍ، وإن لمْ يُعِدِ الوترَ، لم يكنْ آخرُ صلاةِ الْلَيلِ وِترًا، وَأَمَّا منْ قَالَ: لاَ يشفعُ وَلاَ يعيدُ الوترَ، فلأنهُ منعَ أنْ ينعطفَ حكمُ صلاةٍ عَلَى أُخرَى بعدَ السَّلامِ والحديثِ، وطولِ الفصلِ إن وقعَ ذَلِكَ، فَإِذَا لمْ يجتمعَا فالحقيقةُ أنَّهمَا وِترانِ، وَلاَ وترانِ فِي ليلةٍ، فامتنعَ الشَّفعُ، وامتنعَ إعادةُ الوترِ أخيرًا، ولم يبقَ إلاَّ مخالفةُ ظاهرِ قولهِ عَلَيْهِ الصلَاةُ والسَّلاَمُ: (( اجعلُوا آخرَ صلاتِكم بالْلَيلِ وِترًا ) )، وَلاَ يحتاجُ إِلَى الاعتذارِ، وَهُوَ محمولٌ عَلَى الاستحبابِ، كَمَا أنَّ الأمرَ بأصلِ الوترِ كَذَلِكَ، وتركُ المستحبِّ أولَى مِن ارتكابِ المكروهِ، وَأَمَّا مَن قَالَ بالإِعادةِ، فَهُوَ أَيْضًا مانعٌ من شفعِ الوترِ للأوَّلِ محافظةً عَلَى قولهِ عَلَيْهِ الصلَاة والسَّلاَمُ: (( اجعلُوا آخرَ صلاتِكمْ بالْلَيلِ وترًا ) )ويحتاجُ إِلَى الاعتذارِ عن قولهِ: (( لاَ وترانِ فِي ليلةٍ ) ).

واعلمْ أنهُ رُبَّمَا يحتاجُ فِي هَذِهِ المسألةِ إِلَى مقدِّمةٍ أُخرَى، وَهُوَ أنْ التَّنفُّلَ بركعةٍ فَردةٍ، هل يشرعُ؟ فعليكَ بتأمُّلهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت