فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 381

وقولُهُ فِي الِّروايةِ: (( أتجدُ شاةً؟ فقلتُ: لا ) )فأَمَرَه أن يصومَ ثلاثةَ أيَّامٍ، ليسَ المرادُ بهِ: أنَّ الصَّومَ لا يَجْزِي إلاَّ عندَ عدمِ الهَديِ. قيلَ: بلْ هوَ محمولٌ على أنَّهُ سألَ عنِ النُّسكِ؟ فإن وجدهُ أخبرهُ بأنهُ يُخَيِّرُه بينَه وبينَ الصِّيامِ والإطعامِ. وإن عَدِمَهُ فهو مخيَّرٌ بينَ الصِّيامِ والإطعامِ.

220 -الحديثُ الأوَّلُ: عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ - خُوَيْلِدِ بنِ عمرٍو - الخُزاعيِّ الْعَدَوِيِّ، رضيَ اللهُ عنهُ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ - وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: (( ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأمِيرُ أَنْ أُحَدِّثَكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، إِنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ قدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ. فَقِيلَ لأبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، إِنَّ الْحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلا فَارًّا بِدَمٍ، وَلا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. ) ).

(( الخَرْبَةُ ) )بالخَاءِ المُعْجَمَةِ والرَّاءِ المُهْمَلَةِ: هي الخِيَانَةُ. وقيلَ: البَليَّةُ، وقيلَ: التُّهمةُ، وَأَصْلُهَا فِي سَرِقةِ الإِبِلِ. قال الشاعر:

وتلكَ قُربَى مثلَ أن تُناسبِا ... أَنْ ... تُشْبِهَ الضرائبُ الضرائبا

والخَارِبُ اللِّصُّ يُحِبُّ الخَارِبَا

الكلامُ عليه مِن وجوهٍ:

الأولُ: (( أبو شريحٍ ) )الخزاعيُّ، ويقالُ فيهِ: العَدَويُّ. ويقالُ: الكعبيُّ، اسمهُ: خُوَيْلِدُ بنُ عمروٍ - وقيلَ: عمرُو بنُ خويلدٍِ. وقيلَ: عبدُ الرحمنِ بنُ عمرٍو. وقيلَ: هانِئُ بنُ عمروٍ - أسلمَ قبلَ فتحِ مكَّةَ. وتُوُفِّيَ بالمدينَةِ سنةَ ثمانٍ وستِّينَ.

الثَّانِي: قولُهُ: (( ائِذَنْ لِي أيَّهَا الأميرُ فِي أنْ أُحدِّثَكَ ) ). فيهِ حُسنُ الأدبِ فِي المُخاطبةِ للأكابرِ , لا سيَّمَا الملوكُ , لا سيَّمَا فيمَا يخالفُ مقصودَهُمْ؛ لأنَّ ذلكَ يكونُ أدعَى للقبُولِِ، لا سيَّمَا فِي حقِّ مَن يُعرَفُ منهُ ارتكابُ غَرضِهِ. فإن الغِلظَةَ عليهِ قدْ تكونُ سببًا لإثارةِ نفسِه، ومعاندةِ مَنْ يُخاطِبُه.

وقولُهُ: (( أُحدِّثَكَ قولًا قامَ بهِ رسولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فسمِعَتْهُ أُذُنايَ، ووعاهُ قَلبِي ) )تحقيقٌ لمَا يُريدُ أن يخبرَ بهِ. وقولُهُ: (( سمعَتْهُ أذنايَ ) )نفيٌ لوهمِ أن يكونَ رواهُ عنْ غيرِه، وقولُهُ: (( ووعاهُ قلبِي ) ). تحقيقٌ لفهمِهِ، والتثبُّتِ فِي تعقُّلِ معناهُ.

الثالثُ: قولُهُ: (( فلا يَحِلُّ لامرئٍ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ، أن يَسْفِكَ بهَا دمًا ) )يُؤْخَذُ منهُ أمرانِ: أحدُهما: تحريمُ القتالِ بمكةَ لأهلِ مكَّةَ. وهوَ الذي يدلُّ عليهِ سياقُ الحديثِ ولفظُهُ. وقدْ قالَ بذلكَ بعضُ الفقهاءِ. قال القَفَّالُ فِي شرحِ التَّلخيصِ، فِي أوَّلِ كتابِ النِّكاحِ، فِي ذِكرِ الخصائصِ: لا يجوزُ القتالُ بمكَّةَ. قالَ: حتَّى لو تَحَصَّنَ جماعةٌ مِنَ الكفَّارِ فيهَا لمْ يَجُزْ لنَا قتالُهم فيهَا. وحكَى الماورديُّ أيضًا أنَّ من خصائصِ الحرمِ أن لا يُحارَبَ أهلُه إن بَغَوْا على أهلِ العَدْلِ. فقدْ قالَ بعضُ الفقهاءِ: يَحْرُمُ قتالُهُمِ، بل يُضَيَّقُ عليهِمْ حتَّى يَرْجِعُوا إِلَى الطاعةِ، ويَدْخُلُوا فِي أحكامِ أهلِ العدْلِ، قالَ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت