فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 381

وقولهُ: (( إِنَّكَ أنتَ الغفورُ الرَّحيمُ ) )صفتانِ ذُكرتَا ختمًا للكلامِ عَلَى جهةِ المقابلةِ لِمَا قبلَهُ، فالغفورُ مقابلٌ لقولهِ: (( اغفر لِي ) )والرَّحيمُ مقابلٌ لقولِه: (( ارحمنِي ) )وَقَدْ وقعتِ المُقابلةُ ههنا للأوَّلِ بالأوَّلِ، والثَّانِي بالثَّانِي، وَقَدْ يقعُ عَلَى خلافِ ذَلِكَ، بأنْ يُراعَى القربُ، فيُجعلُ الأولُ للأخيرِ، وَذَلِكَ عَلَى حسبِ اختلافِ المقاصدِ، وطلبِ التفنُّنِ فِي الكلامِ، وَمِمَّا يُحتاجُ إِلَيْهِ فِي علمِ التفسيرِ مناسبةُ مقاطعِ الآي لِمَا قبلهَا، واللهُ أعلمُ.

125 -الحديثُ الخامسُ: عَنْ عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ) [النصرِ: 1] - إلاَّ يَقُولُ فِيْهَا: (( سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ) ).

وَفِي لفظٍ: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكوعِهِ وَسُجُودِهِ: (( سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ) ).

حديثُ عائشةَ فِيْهِ مبادرةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى امتثالِ مَا أمرهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ وملازمتهِ لِذَلِكَ.

وقولهُ: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) [النصرِ: 3] فِيْهِ وجهانِ: أحدُهمَا: أَنْ يكونَ المرادُ أنْ يُسَبِّحَ بنفسِ الحمدِ لِمَا يتضمَّنُه الحمدُ منْ معنَى التَّسبيحِ الَّذِي هُوَ التَّنزيهُ، لاقتضاءِ الحمدِ نسبةَ الأفعالِ المحمودِ عَليهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى وحدَهُ، وَفِي ذَلِكَ نفيُ الشِّركةِ.

الوجهُ الثَّانِي: أنْ يكونَ المرادُ: فَسَبِّحْ متلبسًا بالحمدِ، فتكونُ الباءُ دالةً عَلَى الحالِ، وَهَذَا يترجَّحُ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَبَّحَ وحمدَ بقولهِ: (( سُبحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ ) )وَعَلَى مقتضَى الوجهِ الأوَّلِ يُكتفَى بالحمدِ فقطْ، وكأنَّ تسبيحَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم عَلَى هَذَا الوجهِ دليلٌ عَلَى ترجيحِ المعنى الثَّانِي.

وقولهُ: (( وبحمدكِ ) )قِيلَ: معناهُ وبحمدِكَ سبَّحتُ، وَهَذَا يُحتملُ أنْ يكونَ فِيْهِ حذفٌ، أي بسببِ حمدِ اللهِ سبَّحتُ، ويكونُ المرادُ بالسببِ، ههنا التوفيقِ والإعانةِ عَلَى التَّسبيحِ، واعتقادِ معناهُ، وهَذَا كَمَا رُويَ عَنْ عائشةَ فِي الصحيحِ: (( بحمدِ اللهِ لاَ بحمدِكَ ) )أيْ وقعَ هَذَا بسببِ حمدِ اللهِ، أي بفضلِهِ وإحسانِه وعطائِه، فَإِنَّ الفضلَ والإحسانَ سببٌ للحمدِ، فيُعبَّرُ عنهمَا بالحمدِ.

وقولُهُ: (( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ) )امتثالٌ لقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاسْتَغْفِرْهُ) بعد امتثالِ قولهِ: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) ، وَأَمَّا اللفظُ الآخرُ، فإنَّهُ يقتضِي الدُّعاءَ فِي الرُّكوعِ وإباحتَهُ، وَلاَ يُعارضُهُ قولُهُ عَلَيْهِ الصلَاةُ والسَّلاَمُ: (( أمَّا الركوعُ، فعظِّموا فِيْهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السجودُ، فاجتهدُوا فِيْهِ بالدُّعاءِ ) )، فإنه مِنْ هَذَا الحديثِ الجوازُ، ومنْ ذَلِكَ الأولويةُ بتخصيصِ الرُّكوعِ بالتعظيمِ، ويُحتملُ أنْ يكونَ السُّجودُ قَدْ أُمرَ بتكثيرِ الدُّعاءِ، لإِشارةِ قولهِ: (( فاجتهدُوا ) )، واحتمالُهَا للكثرةِ، وَالَّذِي وقعَ فِي الرُّكوعِ منْ قولهِ: (( اغفر لِي ) )لَيْسَ كثيرًا، فَلَيْسَ فِيْهِ معارضةُ مَا أُمرَ بِهِ فِي السجودِ.

وَفِي حديثِ عائشةَ الأوَّلِ سؤالٌ، وَهُوَ أنَّ لفظةَ: (( إِذَا ) )تقتضِي الاستقبالَ وعدمَ حصولِ الشَّرطِ حينئذٍ، وقولُ عائشةَ: مَا صلَّى صلاةً بعدَ أنْ نزلتْ عَلَيْهِ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ) يقتضِي تعجيلَ هَذَا القولِ لقربِ الصلاةِ الأولَى التي هيَ عقيبَ نزولِ الآيةِ من النُّزولِ، و (( الفتحُ ) )أي فتحُ مكَّةَ، و (( دخولُ النَّاسِ فِي دينِ اللهِ أفواجًا ) )يَحتاجُ إِلَى مدَّةٍ أوسعَ مِن الوقتِ الَّذِي بعدَ نزولِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت