فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 381

فيه دليلٌ على تحريمِ هذه الأفعالِ. والأصلُ (( السَّالقة ) )بالسِّينِ، وهوَ رفعُ الصوتِِ بالعويلِ والنَّدبِ. وقريبٌ منهُ قولهُ تعالى: (سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ) [الأحزابِ: 19] والصادُ قد تُبدَلُ من السِّينِ. و (( الحَالِقَةُ ) )حَالقَةُ الشَّعرِ. وَفِي معناه: قطعُه مِن غيرِ حلقٍ. و (( الشَّاقَّةُ ) )شاقَّةُ الجَيْبِ. وكلُّ هذهِ الأفعالِ مشعرٌ بعدمِ الرِّضَى بالقضاءِ، والتَّسَخُّطِ لهُ. فامتنَعَتْ لذلكَ.

167 -الحديثُ الحادي عشرَ: عن عائشةَ، رضي اللهُ عنها، قالت: لَمَّا اشْتَكَى النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيْسَةً رَأَيْنَها بأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لها: مَارِيَةُ - وَكَانَتْ أمُّ سَلَمَةَ وأُمُّ حَبِيَبَةَ أَتَتا أَرْضَ الحَبَشَةِ - فَذَكَرَتا مِنْ حُسْنِها وَتَصَاويرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقَالَ: (( أُولَئِكَ إذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِه مَسْجِدًا، ثمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرارُ الخلْقِ عِنْدَ اللهِ ) ).

فيهِ دليلٌ على تحريمِ مثلِ هذا الفعلِ. وقد تظاهرتْ دلائلُ الشَّريعةِ على المنعِ مِن التَّصويرِ والصُّوَرِ. ولَقدْ أَبْعَدَ غايةَ البُعدِ مَن قال: إنَّ ذلكَ محمولٌ على الكراهةِ، وإنَّ هذا التَّشديدَ كانَ فِي ذلكَ الزَّمانِ، لقربِ عهدِ النَّاسِ بعبادةِ الأوثانِ. وهذا الزمانُ - حيثُ انتشرَ الإسلامُ، وتمهَّدتْ قواعدُهُ - لا يُساويهِ فِي هذَا المعنَى فَلا يُساويهِ فِي هذا التَّشدِيدِ - هذا أو معناهُ - وهذا القولُ عندنَا باطلٌ قطعًا؛ لأنَّهُ قد وردَ فِي الأحاديثِ الإخبارُ عن أمرِ الآخرةِ بعذابِ المصوِّرينَ. وأنَّهمْ يقالُ لهمْ: (( أحْيُوا ما خلقتمْ ) )، وهذهِ عِلَّةٌ مُخالِفَةٌ لمَا قالهُ هذا القائلُ، وقدْ صرَّحَ بذلكَ فِي قولِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( المُشَبِّهُونَ بخلقِ اللهِ ) )وهذهِ علَّةٌ عامَّةٌ مسْتقلَّةٌ مناسبةٌ، لا تَخُصُّ زمانًا دونَ زمانٍ. وليسَ لنا أنْ نتصرَّفَ فِي النُّصوصِ المتظاهِرَةِ المتضافِرَةِ بمعنَى خياليٍّ، يمكنُ أنْ يكونَ هو المرادَ، مع اقتضاءِ اللفظِ التعليلَ بغيرِه. وهو التشبُّهُ بخلقِ اللهِ.

قولهُ عليهِ الصَّلاةُ وَالسلامُ: (( بَنَوْا على قبرِهِ مَسْجِدًا ) )إشارةٌ إِلَى المنعِ من ذلكَ. وقد صرَّحَ به الحديثُ الآخرُ: (( لعنَ اللهُ اليهودَ والنصارَى اتَّخَذُوا قبورَ أنبيائِهِمْ مساجِدَ ) ) (( اللهمَّ لا تجعلْ قبرِي وثنًا يُعبَدُ ) ).

168 -الحديثُ الثاني عشرَ: عن عائشةَ، رضي اللهُ عنها، قَالتْ: قَالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: (( لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ والنَّصَارَى اتَّخَذَوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ) )قالتْ: وَلَوْلاَ ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خُشِي أَنْ يُتَّخَذَ مسْجِدًا )) .

هذا الحديثُ: يدلُّ على امتناعِ اتخاذِ قبرِ الرَّسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسجدًا، ومنهُ يفهمُ امتناعُ الصَّلاةِ على قبرهِ. ومن الفقهاءِ مَن استدلَّ بعدمِ صلاةِ المسلمينَ على قبرهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعدمِ الصلاَةِ على القبرِ جملةً. وأُجيبُوا عن ذلك بأنَّ قبرَ الرَّسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مخصوصٌ عن هذَا بما فُهِمَ منْ هذا الحديثِ من النَّهيِ عن اتِّخاذِ قبرهِ مسجدًا, وبعضُ الناسِ أجازَ الصَّلاةَ على قبرِ الرَّسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كجوازِهَا على قبرِ غيرهِ عندَهُ وهو ضعيفٌ، لتطابقِ المسلمينَ على خِلافهِ، ولإشعارِ الحديثِ بالمنعِ منهُ، واللهُ أعلمُ.

169 -الحديثُ الثالثَ عشرَ: عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، رضي اللهُ عنه، عَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت