فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 381

12 -الحَديثُ الثَّانِي: عَن أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا أَتَيْتُم الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَولٍ، وَلاَ تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَو غَرِّبُوا ) ).

قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ.

الغَائِطُ: المُطْمَئِنُّ مِن الأَرْضِ يَنْتَابُونَهُ لِلحَاجَةِ، فَكَنَّوْا بِهِ عَنْ نَفْسِ الحَدَثِ، كَرَاهِيَةً لِذِكْرِهِ بِخَاصِّ اسْمِهِ (( وَالمَرَاحِيضُ ) )جَمْعُ المِرْحَاضِ، وَهُوَ المُغْتَسَلُ، وَهُوَ أَيْضًا كِنَايةٌ عَن مَوْضعِ التَّخَلِّي. الكَلَامُ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍٍ:

أَحَدُهَا: (( أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ ) )اسْمُهُ خَالِدُ بنُ زَيدٍ بنِ كُلَيبِ بنِ ثَعْلَبَةَ، نَجَّاريٌّ، شَهِدَ بَدْرًا، وَمَاتَ فِي زَمَنِ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيةَ. وَقَالَ خَلِيفَةُ: مَاتَ بِأَرْضِ الرُّومِ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيةَ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ اثْنَتَينِ وَخَمْسِينَ بِالقُسْطَنْطِينِيَّةِ.

الثَّانِي: قَولُهُ: (( إِذَا أََتَيْتُم الخَلَاءَ ) )اسْتَعْمَلَ (( الخَلَاءَ ) )فِي قَضَاءِ الحَاجَةِ كَيْفَ كَانَ؛ لِأَنَّ هَذَا الحُكْمَ عَامُّ فِي جَمِيعِ صُوَرِ قَضَاءِ الحَاجَةِ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِن اسْتِعْمَالِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ مَجَازًا.

الثَّالِثُ: الحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى المَنْعِ مِن اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا، وَالفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الحُكْمِ عَلَى مَذَاهِبَ، فَمِنْهُمْ مَن مَنَعَ ذَلِكَ مُطْلَقًا، عَلَى مُقْتَضَى ظَاهِرِ الحَدِيثِ، وَمِنْهُمْ مَن أَجَازَهُ مُطْلَقًا، وَرَأَى أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ مَنْسُوخٌ، وَزَعَمَ أَنَّ نَاسِخَهُ حَدِيثُ مُجَاهِدٍ، عَن جَابِرٍ، قَالَ: (( ... نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأَيتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا ) )، وَمِمَّن نُقِلَ عَنْهُ التَّرْخِيصُ فِي ذَلِكَ مُطلَقًا عُرْوَةُ بنُ الزُبَيْرِ، وَرَبِيعةُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُمْ مَن فَرَّقَ بَينَ الصَّحَارِي وَالبُنْيَانِ، فَمَنَعَ في الصَّحَارِي، وَأَجَازَ فِي البُنْيَانِ، بِنَاءً عَلَى أنَّ ابنَ عُمَرَ رَوى الحَدِيثَ الَّذِي يَأتِى ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا الحَدِيثِ فِي البُنْيَانِ، فَجَمَعَ بَيْنَ الأحَادِيثِ، فَحَمَلَ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ - وَمَا فِي مَعْنَاهُ - عَلَى الصَّحَارِي، وَحَمَلَ حَدِيثَ ابنِ عُمَرَ عَلَى البُنْيَانِ، وَقَد رَوى الحَسَنُ بنُ ذَكْوَانَ، عَن مَرْوَانَ الأَصْفَرِ، قَالَ: (( رَأَيْتُ ابنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيهَا، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَيْسَ قَد نُهِيَ عَن هَذَا؟ فَقَالَ: بَلَى، إِنَّمَا نُهِيَ عَن ذَلِكَ فِي الفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ القِبْلَةِ شَيءٌ يَسْتُرُكَ، فَلَا بَأَسَ ) ). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاودَ.

وَاعْلَمْ أَنَّ حَمْلَ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ عَلَى الصَّحَارِي مُخَالِفٌ لِمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ أَبُو أَيُّوبَ مِن العُمُومِ، فَإِنَّهُ قَالَ: فَأتَيْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَد بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا، فَرَأَى النَّهْيَ عَامًّا.

الرَّابِعُ: اخْتَلَفُوا فِي عِلَّةِ هَذَا النَّهْيِ مِن حَيْثُ المَعْنَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لإِظْهَارِ الاحْتِرَامِ وَالتَّعْظِيمِ لِلقِبْلَةِ؛ لأَنَّهُ مَعْنًى مُنَاسِبٌ، وَرَدَ الحُكْمُ عَلَى وَفْقِهِ، فَيَكُونُ عِلَّةً لَهُ، وَأَقْوى مِن هَذَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ مَا رُوِيَ مِن حَدِيثِ سَلَمَةَ بنِ وَهْرَامٍ، عَن سُرَاقَةَ بنِ مَالِكٍ، عَن رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا أَتَى أَحَدُكُم البَرَازَ، فَلْيُكْرِمْ قِبْلَةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يَسْتَقْبِلْ القِبْلَةَ ) )، وَهَذَا ظَاهِرٌ قَوِيٌّ فِي التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت