فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَكَرِّرٍ، فَلَا يُفْضِي قَضَاؤُهُ إِلَى حَرَجٍ، وَقَد اكْتَفَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فِي الاسْتِدْلَالِ عَلَى إِسْقَاطِ القَضَاءِ بِكَوْنِهِ لَمْ يُؤمَرْ بِهِ، فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَينِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ أَخَذَتْ إِسْقَاطَ القَضَاءِ مِن سُقُوطِ الأدَاءِ، وَيَكُونُ مُجَرَّدُ سُقُوطِ الأَدَاءِ دَلِيلًا عَلَى سُقُوطِ القَضَاءِ، إِلَّا أَنْ يُوجَدَ مُعَارِضٌ، وَهُوَ الأَمْرُ بِالقَضَاءِ كَمَا فِي الصَّوْمِ.
وَالثَّانِي - وَهُو الأَقْرَبُ: أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى بَيَانِ هَذَا الحُكْمِ، فَإِِنَّ الحَيْضَ يَتَكَرَّرُ، فَلَوْ وَجَبَ قَضَاءُ الصَّلَاةِ فِيهِ لَوَجَبَ بَيَانُهُ، وَحَيْثُ لَمْ يُبَيَّنْ دَلَّ عَلَى عَدَمِ الوُجُوبِ، لَاسِيَّمَا وَقَد اقْتَرَنَ بِذَلِكَ قَرِينَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ الأَمْرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وتَخْصِيصُ الحُكْمِ بِهِ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَا يَقُولُهُ الأُصُولِيُّونَ مِن أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ: (( كُنَّا نُؤْمَرُ ونُنْهَى ) )فِي حُكْمِ المَرْفُوعِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِلَّا لَمْ تَقُم الحُجَّةُ بِهِ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
45 -الحَدِيثُ الأوَّلُُ: عَن أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ - وَاسْمُهُ سَعْدُ بنُ إِيَاسٍ - قَالَ: حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: سَأَلتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلى اللهِ؟ قَالَ: (( الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا ) ). قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: (( بِرُّ الوالِدَيْنِ ) ). قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: (( الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ ) ). قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَو اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي )) .
(( عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودِ ) )بنُ الحَرْثِ بنِ شَمَخٍ، هُذَلِيٌ، يُكنْى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، شَهِدَ بَدْرًا، يُعْرَفُ بِابنِ أُمِّ عَبْدٍ. تُوُفِّي بِالمَدِينَةِ سَنَةَ اثْنَتَينِ وَثَلَاثِينَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ، وَدُفِنَ بِالبَقِيعِ، وَكَانَ لَهُ يَوْمَ مَاتَ نَيِّفٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، مِن أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ.
قَوْلُهُ: حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ. دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الإِشَارَةَ يُكْتَفَى بِهَا عَن التَّصْرِيحِ بِالاسْمِ، وَتُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ إِذَا كَانَتْ مُعَيِّنَةً لِلمُشارِ إِلَيْهِ، مُمَيِّزَةً لَهُ عَنْ غَيْرِهِ.
وَسُؤَالُهُ عَن أَفْضَلِ الأَعْمَالِ: طَلَبًا لِمَعْرِفَةِ مَا يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ مِنْهَا، وَحِرْصًا عَلَى عِلْمِ الأَصْلِ، لِيُؤَكِّدَ القَصْدَ إِلَيْهِ، وَتَشْتَدَّ المُحَافَظَةُ عَلَيْهِ.
وَالأَعْمَالُ: هَهُنا لَعَلَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الأَعْمَالِ البَدَنِيَّةِ، كَمَا قَالَ الفُقَهَاءُ: أَفْضَلُ عِبَادَاتِ البَدَنِ الصَّلَاةُ، وَاحْتَرَزُوا بِذَلِكَ عَن عِبَادَةِ المَالِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا كَلَامٌ فِي العَمَلِ: هَلْ يَتَنَاوَلُ عَمَلَ القَلْبِ، أَمْ لَا؟ فَإِذَا جَعَلْنَاهُ مَخْصُوصًا بِأَعْمَالِ البَدَنِ، تَبَيَّنَ مِن هَذَا الحَدِيثِ: أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَعْمَالَ القُلُوبِ، فَإِنَّ مِن عَمَلِها مَا هُوَ أَفْضَلُ، كَالإِيمَانِ، وَقَد وَرَدَ فِي بَعْضِ الحَدِيثِ ذِكْرُهُ مُصَرَّحًا بِهِ، أَعْنِي الإِيمَانَ - فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ الحَدِيثِ: أَنَّهُ أُرِيدَ بِالأَعْمَالِ مَا يَدْخُلُ فِيهِ أَعْمَالُ القُلُوبِ، وَأُرِيدَ بِهَا فِي هَذَا الحَدِيثِ: مَا يَخْتَصُّ بِعَمَلِ الجَوَارِحِ.