الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولُطْفِهِ وَرِفْقِهِ بِالجَاهِلِ.
(( وَالذَّنُوبُ ) )بِفَتْحِ المُعْجَمَةِ هَهُنا، هِيَ الدَّلْوُ الكَبِيرَةُ، إِذَا كَانَتْ مَلْأَى، أَو قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، وَلا تُسَمَّىَ ذَنُوبًا إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهَا مَاءٌ، وَالذَّنُوبُ أَيْضًا النَّصِيبُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ) [الذَّارِيَات: 59] ، وَلِعَلْقَمَةَ: فَحُقَّ لِشاسٍ مِن نَدَاكِ نَصِيبُ.
وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَطْهِيرِ الأَرْضِ النَّجِسَةِ بِالمُكَاثَرَةِ بِالمَاءِ، وَقَد قَالَ الفُقَهَاءُ: يُصَبُّ عَلَى البَوْلِ مِن المَاءِ مَا يَغْمُرُهُ، وَلَا يَتَحَدَّدُ بِشَيءٍ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ سَبْعَةُ أَمْثَالِ البَوْلِ. وَاسْتُدِلَّ بِالحَدِيثِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يُكْتَفَى بِإِفَاضَةِ المَاءِ، وَلَا يُشْتَرَطُ نَقْلُ التُّرَابِ مِن المَكَانِ بَعْدَ ذَلِكَ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِهِ. وَوَجْهُ الاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرِدْ عَنْهُ فِي هَذَا الحَدِيثِ الأَمْرُ بِنَقْلِ التُّرَابِ، وَظَاهِرُ ذَلِكَ الاكْتِفَاءُ بِصَبِّ المَاءِ، فَإِنَّهُ لَو وَجَبَ لَأََمَرَ بِهِ، وَلَو أَمَرَ بِهِ لَذُكِرَ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ ذِكْرُ الأَمْرِ بِنَقْلِ التُّرَابِ مِن حَدِيثِ سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، وَلَكِنَّهُ تُكُلِّمَ فِيهِ. وَأَيْضًا فَلَو كَانَ نَقْلُ التُّرَابِ وَاجِبًا فِي التَّطْهِيرِ لاَكْتُفِىَ بِهِ، فَإِنَّ الأَمْرَ بِصَبِّ المَاءِ حِينَئِذٍ يَكُونُ زِيَادَةَ تَكْلِيفٍ وَتَعَبٍ، مِن غَيْرِ مَنْفَعَةٍ تَعُودُ إِلَى المَقْصُودِ، وَهُو تَطْهِيرُ الأَرْضِ.
28 -الحَدِيثُ الخَامِسُ: عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيْمُ الأَظَفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ ) ).
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ - المَعْرُوفُ بِالقَزَّازِ - فِي كِتَابِ تَفْسِيرِ غَرِيبِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ: (( الفِطْرَةُ ) )تَنْصَرِفُ فِي كَلَامِ العَرَبِ عَلَى وُجُوهٍ، أَذْكُرُهَا لِتَرُدَّ هَذَا إِلَى أَوْلَاهَا بِهِ:
فَأَحَدُهَا: فِطْرَةُ الخَلْقِ، فَطَرَهُ: أَنْشَأَهُ، وَاللهُ فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأْرِضِ، أَيْ خَالِقُهُمَا، وَ (( الفِطْرَةُ ) )الجِبِلَّةُ الَّتِي خَلَقَ اللهُ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَجَبَلَهُمْ عَلَى فِعْلِهَا. وَفِي الحَدِيثِ: (( كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ ) )، قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: فِطْرَةُ اللهَ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، أَيْ خَلْقُهُ لَهُمْ، وَقِيلَ: مَعْنَى قَولِهِ: (( عَلَى الفِطْرَةِ ) )، أَيْ عَلَى الإِقْرَارِ بِاللهِ الَّذِي كَانَ أَقَرَّ بِهِ لَمَّا أَخْرَجَهُ مِن ظَهْرِ آدَمَ. (( وَالفِطْرَةُ ) )زَكَاةُ الفِطْرِ. وَأَوْلَى الوُجُوهِ بِمَا ذَكَرْنَا أَنْ تَكُونَ الفِطْرَةُ مَا جَبَلَ اللهُ الخَلْقَ عَلَيْهِ، وَجَبَلَ طِبَاعَهُمْ عَلَى فِعْلِهِ، وَهِى كَارِهَةٌ مَا فِي جَسَدِهِ مِمَّا هُوَ لَيْسَ مِن زِينَتِهِ. وَقَد قَالَ غَيْرُ القَزَّازِ: الفِطْرَةُ هِيَ السُّنَّةُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَولَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: (( الفَطْرَةُ خَمْسٌ ) )، وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: (( خَمْسٌ مِن الفِطْرَةِ ) )، وَبَيْنَ اللَّفْظَتَينِ تَفَاوُتٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الأَوَّلَ ظَاهِرُهُ الحَصْرُ، كَمَا يُقَالُ: العَالِمُ فِي البَلَدِ زَيْدٌ، إِلَّا أَنَّ الحَصْرَ فِي مِثْلِ هَذَا تَارَةً يَكُونُ حَقِيقِيًّا، وَتَارَةً يَكُونُ مَجَازِيًّا، وَالحَقِيقِيُّ مِثَالُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِن قَوْلِنَا: العَالِمُ فِي البَلَدِ زَيْدٌ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا غَيْرُهُ، وَمِن المَجَازِ: (( الدِّينُ النَّصِِيحَةُ ) )كَأَنَّهُ بُولِغَ فِي النَّصِيحَةِ إِلَى أَنْ جُعِلَ الدِّينُ إيَّاهَا، وَإِنْ كَانَ فِي الدِّينِ خِصَالٌ أُخْرَى غَيْرُهَا. وَإِذَا ثَبَتَ فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى عَدَمُ الحَصْرِ - أَعْنِي قَولَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: (( خَمْسٌ مِن الفِطْرَةِ ) )- وَجَبَ إِزَالَةُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ ظَاهِرِهَا المُقْتَضِي لِلحَصْرِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ أَيْضًا: (( عَشْرٌ مِن الفِطْرَةِ ) )، وَذَلِكَ أَصْرَحُ فِي عَدَمِ الحَصْرِ، وَأَنَصُّ عَلَى ذَلِكَ.