فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 381

الثَّانِي: يُؤخَذُ مِن الحَدِيثِ التِمَاسُ البَرَكَةِ بِمَا لابَسَهُ الصَّالِحُونَ بِمُلابَسَتِهِ. فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي الوُضُوءِ الَّذِي تَوَضَّأَ مِنهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ويُعَدَّى بِالمعنَى إلى سَائِرِ ما يُلابسهُ الصَّالِحُونَ.

الثَّالِثُ: قَولُهُ: فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وههنَا، يُرِيدُ يَمينًا وَشِمَالًا , فِيهِ دَليلٌ عَلَى اسْتِدَارَةِ المُؤذِّنِ للاسْتِمَاعِ عِندَ الدُّعَاءِ إِلى الصَّلاةِ. وَهُو وَقْتُ التَّلَفُّظِ بِالحَيْعَلَتَيْنِ. وَقَولُهُ: يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ , حَيَّ عَلَى الفَلاحِ. يُبِّيِنُ وَقْتَ الاسْتِدَارَةِ. وَأنَّهُ وَقْتُ الحَيْعَلَتًينِ.

وَاخْتَلفُوا فِي مَوضِعَينِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ هَلْ تَكُونُ قَدَمَاهُ قَارَّتَيْنِ مُسْتَقْبِلَتَي القِبْلَةَ، وَلا يَلْتَفِتُ إِلَّا بِوَجْهِهِ دُونَ بَدَنِهِ، أَو يَسْتَدِيرُ كُلُّهُ؟

الثَّانِي: هَل يَسْتَدِيرُ مَرَّتَينِ. إِحْدَاهُمَا: قَولُهُ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ , حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ. وَالأُخْرَى عِنْدَ قَولِهِ: حَيَّ عَلَى الفَلاحِ , حَيَّ عَلَى الفَلاحِ. أَو يَلْتَفِتُ يَمينًا وَيَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ مَرَّةً، ثُمَّ يَلْتَفِتُ شِمَالًا فَيَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ أُخْرَى. ثُمَّ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَيَقُولُ: حَيَّ عَلَى الفَلاحِ مَرَّةً، ثُمَّ يَلْتَفِتُ شِمَالًا فَيقُولُ: حَيَّ عَلَى الفَلاحِ أُخْرَى؟ وَهَذَانِ الوَجْهَانِ مَنْقُولانِ عَن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَد رُجِّحَ هَذَا الثَّانِي بِأنَّهُ يَكُونُ لِكُلِّ جِهَةٍ نَصِيبٌ مِن كَلِمَةٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ اخْتِيَارُ القفالِ. وَالأَقْرَبُ عِندِي إِلى لَفْظِ الحَدِيثِ: هُوَ الأوَّلُ.

الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عنَزَةٌ. أَي: أُثبِتَتْ فِي الأَرْضِ. يُقَالُ: رَكَزْتُ الشَّيءَ أَرْكُزُهُ - بِضَمِّ الكَافِ فِي المُسْتَقبلِ - رَكْزًا: إِذَا أَثْبَتُّهُ وَ (( العنَزَةُ ) )قِيلَ: هِيَ عَصًا فِي طَرَفِهَا زُجٌّ. وَقِيلَ: الحَرْبَةُ الصَّغِيرَةُ.

الخَامِسُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ وَضْعِ السُّتْرَةِ لِلمُصَلِّي، حَيْثُ يَخْشَى المُرورَ كَالصَّحْرَاءِ. وَدليلٌ عَلَى الاكْتِفَاءِ فِي السُّترةِ بِمِثلِ غِلَظِ العنَزَةِ. وَدَلِيلٌ عَلَى أنَّ المُرورَ مِن وَرَاءِ السُّتْرَةِ غَيرُ ضَارٍّ.

السَّادِسُ: قَولُهُ: ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَينِ حتَّى رَجَعَ إِلى المَدِينَةِ. هُوَ إِخْبَارٌ عَن قَصْرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاةَ، وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَى ذَلِكَ. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى رُجْحَانِ القَصْرِ عَلَى الإِتْمَامِ. وَلَيْسَ دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِهِ إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ مَن يَرَى أنَّ أَفْعَالَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدُلُّ عَلَى الوُجُوبِ. وَليسَ بِمُخْتَارٍ فِي عِلْمِ الأُصُولِ.

السَّابِعُ: لَم يُبَيَّنْ فِي هِذه الرِّوَايةِ مَوضِعَ اجْتمَاعِهِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي رِوَايةٍ أُخرى قَالَ فِيهَا: أَتيتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ. وهوَ بِالأبْطَحِ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ مِن أدَمٍ. وَهَذِهِ الرِّوايةُ المُبيِّنةُ مُفِيدَةٌ لِفَائدةٍ زَائدةٍ. فَإِنَّهُ فِي الرِّوايةِ الأُولى المُبْهَمَةِ يَجوزُ أنْ يكونَ اجْتِمَاعُهُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى مَكَّةَ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَيْهَا. وَعَلى هَذَا يُشْكَلُ قَولُهُ: فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَينِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ , عَلَى مَذْهَبِ الفُقَهَاءِ، مِن حَيثُ إنَّ السَّفَرَ تَكُونُ لَهُ نِهَايةٌ يُوصِلُ إِلَيهَا قَبْلَ الرُّجُوعِ. وَذَلِكَ مَانِعٌ مِن القَصْرِ عِندَ بَعْضِهم. أمَّا إذا تَبيَّنَ أنَّهُ كانَ الاجتماعُ بِالأَبْطَحِ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ صَلاةُ الظُّهْرِ الَّتِي أدْرَكَهَا ابْتِدَاءَ الرُّجُوعِ. وَيَكُونُ قَولُهُ: حتَّى رَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ انْتِهَاءَ الرُّجُوعِ.

66 -الحَدِيثُ الثَّالثُ: عَن عَبْدِ اللهِ بنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَمَا عن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ قَالَ: (( إنَّ بِلالًا يُؤذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت