فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 381

يَكُونُ سَبَبَهُ الرَّدُّ عَلَى فِعْلٍ شَائِعٍ بَيْنَ النَّاسِ لَا أَصْلَ لَهُ، فَيَذْكُرُ الحَدِيثَ لِلرَّدِ عَلَى مَن فَعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ، كَمَا اشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ فِي هَذَا المَكَانِ التَّحَرُّزِ عَن قَولِهِمْ: (( مَا صَلَّيْنَا ) )إِنْ لَمْ يَصِحَّ أَنَّ أَحَدًا كَرِهَهَ. وَتَارَةٌ يَكُونُ لِمَعْنًى يَخُصُّ الوَاقِعَةَ، لَا يَظْهَرُ لِكَثِيرٍ مِن النَّاسِ فِي بَادِئِ الرَّأْي، مِثْلَ مَا تُرْجِمَ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ: (( اسْتِيَاكُ الإِمَامِ بِحَضْرَةِ رَعِيَّتِهِ ) )، فَإِنَّ الاسْتِيَاكَ مِن أَفْعَالِ البَذْلَةِ وَالمَهْنَةِ، وَيُلَازِمُهُ أَيْضًا مِن إِخْرَاجِ البِصَاقِ وَغَيْرِهِ مَا لَعَلَّ بَعْضَ النَّاسِ يَتَوَهَّمُ أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إخْفَاءَهُ، وَتَرْكَهُ بِحَضْرَةِ الرَّعِيَّةِ، وَقَد اعْتَبَرَ الفُقَهَاءُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ هَذَا المَعْنَى، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ بِحِفْظِ المُرُوءةِ، فَأََوْرَدَ هَذَا الحَدِيثَ لِبَيَانِ أَنَّ الاسْتِيَاكَ لَيْسَ مِن قَبِيلِ مَا يُطْلَبُ إِخْفَاؤهُ، وَيَتْرُكُهُ الإِمَامُ بِحَضْرَةِ الرَّعَايَا، إدْخَالًًا لَهُ فِي بَابِ العِبَادَاتِ وَالقُرُبَاتِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

21 -الحَدِيثُ الأَوَّلِ: عَن الْمُغِيِرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِى سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: (( دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ ) )، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا.

22 -الحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَالَ وَتَوْضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. مُخْتَصَرٌ.

كِلَا الحَدِيثَينِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ، وَقَدْ تَكَثَّرتْ فِيهِ الرِّوَايَاتُ، وَمِن أَشْهَرِهَا رِوَايَةُ المُغِيرَةِ، وَمِن أََصَحِّهَا رِوَايَةُ جَرِيرِ بنِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ - بِفَتْحِ البَاءِ وَالجِيمِ مَعًا - وَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ يُعْجِبَهُمْ حَدِيثُ جَرِيرٍ، لِأنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ المَائِدَةِ، وَمَعْنَى هَذَا الكَلَامِ أَنَّ آيَةَ المَائِدَةِ إِنْ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَى المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ، كَانَ جَوَازُ المَسْحِ ثَابِتًا مِن غَيْرِ نَسْخٍ، وَإِنْ كَانَ مَسْحُ الخُفَّيْنِ مُتَقَدِّمًا كَانَتْ آيَةُ المَائِدَةِ تَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ، فَيُنْسَخُ بِهَا المَسْحُ، فَلَمَّا تَرَدَّدَ الحَالُ تَوَقَّفَت الدِّلَالَةُ عِنْدَ قَومٍ، وَشَكُّوا فِي جَوَازِ المَسْحِ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، أَنَّهُ قَالَ: (( قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ، وَلَكِنْ أََقَبْلَ المَائِدَةِ أَمْ بَعْدَهَا؟ ) )إِشَارَةً مِنْهُ بِهَذَا الاسْتِفْهَامِ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا جَاءَ حَدِيثُ جَرِيرٍ مُبَيِّنًا لِلمَسْحِ بَعْدَ نُزُولِ المَائِدَةِ، زَالَ الإِشْكَالُ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ بَعْدَ نُزُولِ المَائِدَةِ، وَهُوَ أَصْرَحُ مِن رِوَايَةِ مَن رَوى عَن جَريرٍ: (( وَهَلْ أَسْلَمتُ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ المَائِدَةِ؟ ) ). وَقَد اشْتَهَرَ جَوَازُ المَسْحِ عَلَى الخُفَّينِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ، حَتَّى عُدَّ شِعَارًا لِأَهْلِ السُّنَّةِ، وَعُدَّ إِنْكَارُهُ شِعَارًا لِأَهْلِ البِدَعِ.

وَقَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ المُغِيرَةِ: (( دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ ) )، دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِي اللُبْسِ لِجَوَازِ المَسْحِ، حَيْثُ عَلَّلَ عَدَمَ نَزْعِهِمَا بِإِدْخَالِهِمَا طَاهِرَتَيْنِ، فَيْقْتَضِي أَنَّ إِدْخَالَهُمَا غَيْرَ طَاهِرَتَيْنِ مُقْتَضٍ لِلنَّزْعِ. وَقَد اسْتََدَّلَ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ إِكْمَالَ الطَّهَارَةِ فِيهِمَا شَرْطٌ، حَتَّى لَوْ غَسَلَ إِحْدَاهُمَا وَأَدْخَلَهَا الخُفَّ، ثُمَّ غَسَلَ الأُخْرَى وَأَدْخَلَهَا الخُفَّ، لَمْ يَجُزِ المَسْحُ. وَفِي هَذَا الاسْتِدْلَالِ عِنْدَنَا ضَعْفٌ - أَعْنِي فِي دِلَالَتِهِ عَلَى حُكْمِ هَذِهِ المَسْأَلَةِ - فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُعَبَّرَ بِهَذِهِ العِبَارَةِ عَنْ كَونِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أُدْخِلَتْ طَاهِرَةً، بَلْ رُبَّمَا يُدَّعَى أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِي قَولِهِ: (( أَدْخَلْتَهُمَا ) )يَقْتَضِي تَعْلِيقَ الحُكْمِ بِكُلِّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت