فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 381

275 -الحديثُ الثالثُ: عن أَبِي هُريرةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: (( نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلاَ يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَتِهِ، وَلاَ تَسْأَلِ المَرْأَةُ طَلاَقَ أُخْتِهَا لَتَكْفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا ) ).

أَمَّا النهيُ عن بيعِ الحاضرِ للباديِ، والنَّجْشِ، وبيعِ الرجلِ عَلَى بيعِ أخيه، فَقَدْ مرَّ الكلامُ عَلَيْهِ.

وَأَمَّا النهيُ عن الْخِطبةِ، فَقَدْ تصرَّفَ فِي إطلاقِه الفقهاءُ بوجهينِ:

أحدُهما: أنهم خصُّوه بحالةِ التراكُنِ، والتوافقِ بَيْنَ الخاطبِ والمخطوبِ إليه، وتصدَّى نظرُهم بعدَ ذَلِكَ فيما بِهِ يحصلُ تحريمُ الخِطبةِ، وذَكَرُوا أُمورًا لاَ تُسْتَنْبَطُ من الحديثِ، وَأَمَّا الخِطبةُ قبلَ التراكُنِ، فَلاَ تمتنعُ، نظرًا إِلَى المعنى الَّذِي لأجلِه حُرِّمَت الخِطبةُ، وَهُوَ وقوعُ العدواةِ والبغضاءِ، وإيحاشِ النفوسِ.

الوجهُ الثَّانِي - وَهُوَ للمالكيةِ - أن ذَلِكَ فِي المتقارِبَينِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الخاطبُ الأَوَّلُ فاسقًا، والآخرُ صالحًا، فَلاَ يندرجُ تحتَ النهيِ، ومذهبُ الشَّافعيِّ، رحمَه اللهُ، أَنَّهُ إِذَا ارْتَكَبَ النهيَ، وخطَبَ عَلَى خطبةِ أخيه، لم يَفْسُد العقدُ، ولم يُفْسَخْ؛ لأن النهيَ مجانبٌ لأجلِ وقوعِ العداوةِ والبغضاءِ، وَذَلِكَ لاَ يعودُ عَلَى أركانِ العقدِ وشروطِه بالاختلالِ، ومثلُ هَذَا لاَ يقتضي فسادَ العقدِ.

وَأَمَّا نهيُ المرأةِ عن سؤالِ طلاقِ أختِها، فَقَدْ اسْتُعْمِلَ فِيْهِ ألفاظٌ مجازيَّةٌ، فَجُعِلَ طلاقُ المرأةِ بعقدِ النكاحِ بمثابةِ تفريغِ الصحفةِ بعد امتلائِها، وَفِيهِ معنىً آخرُ، وَهُوَ الإِشارةُ إِلَى الرزقِ؛ لِما يُوجِبُه النكاحُ من النفقةِ؛ فإن الصَّحْفةَ وملأَها مِن بابِ الأرزاقِ، وكِفَاؤُهَا قَلْبُها.

276 -الحديثُ الأَوَّلُ: عن عمرَ بنِ الخطابِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الذَّهَبُ بالْوَرِقِ رِبًا، إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، والبُرُّ بالبُرِّ رِبًا، إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ رِبًا، إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ ) ).

الحديثُ يُدْخِلُ عَلَى وجوبِ الحلولِ، وتحريمِ النَّساءِ فِي بيعِ الذهبِ بالورِقِ، والبُرِّ بالبُرِّ، والشعيرِ بالشعيرِ، إِلاَّ هاءَ وهاءَ، واللفظةُ موضوعةٌ للتقابُضِ، وَهِيَ ممدودةٌ مفتوحةٌ، وَقَدْ أنشدَ بعضُ أهلِ اللغةِ فِي ذَلِكَ:

لما رأَتْ فِي قامتي انحناءَ والمشيَ بعدَ قَعَسٍ أجْناءَ

أجْلَت وَكَانَ حبُّها إجلاءَ وجعَلَت نصفَ غَبوقي ماءَ

تَمْزُجُ لي من بُغضِها السقاءَ ثُمَّ تقولُ من بعِيدٍ هاءَ

دحرجةً إن شئتَ أَوْ إلقاءَ ثُمَّ تَمَنَّى أن يكونَ داءَ

لاَ يجعلُ اللهُ لَهُ شفاءَ

ثُمَّ اخْتَلَفَ العلماءُ بعدَ ذَلِكَ، فَالشَّافعيُّ يعتبرُ الحلولَ والتقابُضَ فِي المجلسِ، فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ لم يُعْتَبَرْ غيرُه، وَلاَ يَضُرُّ عندَه طولُ المجلسِ إِذَا وقعَ العقدُ حالًا، وشدَّدَ مَالكٌ أكثرَ من هَذَا، ولم يُسَامِحْ بالطولِ فِي المجلسِ، وإن وقعَ القبضُ فِيهِ، وَهُوَ أقربُ إِلَى حقيقةِ اللفظِ فِيْهِ، والأَوَّلُ أدخلُ فِي المجازِ، وَهَذَا الشرطُ لاَ يختصُّ باتحادِ الجنسِ، بل إِذَا جمعَ المَبِيعَيْنِ علّةٌ واحدةٌ - كالنقديةِ فِي الذهبِ والفضةِ، والطُّعْمِ فِي الأشياءِ الأربعةِ، أَوْ غيرِه مِمَّا قيلَ بِهِ -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت