فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 381

مِن كَوْنِهِ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ بِالقِيَاسِ عِنْدَهُ، لَا بِالنَّصِّ.

الثَّالِثُ: فِي قَوْلِهِ: (( أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا ) )اسْتِعْمَالُ القَوْلِ فِي مَعْنَى الفِعْلِ، وَقَدْ قَالُوا: إنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلَت القَولَ فِي كُلِّ فِعْلٍ.

الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: (( ثُمَّ ضَرَبَ الأَرْضَ بِيَدَيْهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ) )دَلِيلٌ لِمَن قَالَ بِالاكْتِفَاءِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ لِلوَجْهِ وَاليَدَينِ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ حَقِيقَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: يُعِيدُ فِي الوَقْتِ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، وَالإِعَادَةُ فِي الوَقْتِ دَلِيلٌ عَلَى إِجْزَاءِ الفِعْلِ إِذَا وَقَعَ ظَاهِرًا، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَابُدَّ مِن ضَرْبَتَيْنِ، ضَرْبَةٍ لِلوَجْهِ، وَضَرْبَةٍ لِليَدَيْنِ، لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ: (( التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ، ضَرْبَةٌ لِلوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِليَدَيْنِ ) )، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُقَاوِمُ هَذَا الحَدِيثَ فِي الصِّحَّةِ، وَلَا يُعَارَضُ مِثْلُهُ بِمِثْلِهِ.

الخَامِسُ: قَوْلُهُ: (( ثُمَّ مَسَحَ الشَّمَالَ عَلَى اليَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ ) )قَدَّمَ فِي اللَّفْظِ: (( مَسْحَ اليَدَيْنِ ) )عَلَى (( مَسْحِ الوَجْهِ ) )لَكِنْ بِحَرْفِ الوَاوِ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، هَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَفِي غَيْرِهَا: (( ثُمَّ مَسَحَ بِوَجْهِهِ ) )بِلَفْظَةِ (( ثُمَّ ) )وَهِيَ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ اليَدَيْنِ عَلَى الوَجْهِ فِي الوُضُوءِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ، ثَبَتَ فِي الوُضُوءِ، إِذْ لَا قَائِلَ بِالفَرْقِ.

السَّادِسُ: قُولُهُ: (( وَظاهِرَ الكَفَّينِ ) )يَقْتَضِي الاكْتِفَاءَ بِمَسْحِ الكَفَّينِ فِي التَّيَمُّمِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّيَمُّمَ إِلَى المِرْفَقَينِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي الجُهَيْمِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَيَمَّمَ عَلَى الجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ. فَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ مُطْلَقَ لَفْظِ (( اليَدِ ) )هَلْ يَدُلُّ عَلَى الكَفَّينِ، أَوْ عَلَى الذِّرَاعَينِ، أَوْ عَلَى جُمْلَةِ العُضْوِ إِلَى الإِبِطِ؟ فَادَّعَى قَوْمٌ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى (( الكَفَّينِ ) )عِنْدَ الإِطْلَاقِ، كَمَا فِى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المَائِدَةِ: 38] ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ أَبِي الجُهَيْمِ (( أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ) )، وَالَّذِي فِي الصَّحِيحِ: (( وَيَدَيْهِ ) ).

39 -الحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، رَضِيَ اللََّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِياءِ قَبْلِى: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسَيِرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأيُّمَا رَجُلٍ مِن أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ المَغَانِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسَ عَامَّةً ) ).

(( جَابِرٌ ) )هُوَ ابنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ - بِفَتْحِ الحَاءِ المُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ - الأَنْصَارِيُّ السَّلَمِيُّ - بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ - مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي سَلِمَةَ - بِكَسْرِ اللََّامِ - يُكْنَى أَبَا عَبْدِ اللهِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ مِن الهِجْرَةِ، وَهُوَ ابنُ إِحْدَىَ وَتِسْعِينَ، وَالكَلَامُ عَلَى حَدِيثِهِ مِنْ وُجُوهٍ:

الأَوَّلُ: قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أُعْطِيتُ خَمْسًا ) )، تَعْدِيدٌ لِلفَضَائِلِ الَّتِي خُصَّ بِهَا، دُونَ سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِم السَّلَامُ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَ وَاحِدَةٍ مِن هَذِهِ الخَمْسِ لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ، وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِأَنَّ نُوحًا، عَلَيْهِ السَّلَامِ - بَعْدَ خُرُوجِهِ مِن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت