157 -الحديثُ الأوَّلُ: عن أبي هريرةَ، رضيَ اللهُ عنهُ، قالَ: نَعَى النبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الذي ماتَ فِيِه، خرجَ بِهِمْ إِلَى المُصلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا.
فيه دليلٌ على جْوازِ بعضِ النَّعي. وقد وردَ فيه نهيٌ، فيُحتملُ أنْ يحملَ على النَّعيِ لغيرِ غرضٍ دينيٍّ، مثلَ إظهارِ التَّفجُّعِ على الميِّتِ، وإعظامِ حالِ موتهِ. ويُحملُ النعيُ الجائزُ على ما فيهِ غرضٌ صحيحٌ، مثلُ طلبِ كثرةِ الجماعةِ، تحصيلًا لدعائهمْ، وتتميمًا للعددِ الذي وُعِدَ بقبولِ شفاعتِهمْ فِي الميِّتِ، كالمائةِ مثلًا. وأما النجاشيُّ، فقد قيلَ: إنَّه ماتَ بأرضٍ لم يُقَمْ فيها عليهِ فريضةُ الصلاةِ. فيتعَّينُ الإعلامُ بموتهِ ليُقَامَ فرضُ الصلاةِ عليهِ.
وَفِي الحديثِ دليلٌ علَى جوازِ الصَّلاةِ على الغائبِ. وهو مذهبُ الشافعيِّ. وخالفَ مالكٌ وأبو حنيفةَ، وقالا: لا يُصَلَّىعلى الغائبِ، ويحتاجونَ إِلَى الاعتذارِ عن الحديثِ. ولهم فِي ذلكَ أعذارٌ، منها: ما أشرنَا إليهِ من قولِهِمْ: إنَّ فرضَ الصلاةِ لم يسقطْ ببلادِ الحبشةِ، حيثُ ماتَ، فلابدَّ مِن إِقامةِ فرضِهَا، ومنها: ما قيلَ: إنَّهُ رُفِعَ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرآه، فتكونُ حينئذٍ الصلاةُ عليهِ كمِّيتٍ يراهُ الإمامُ ولا يراهُ المأمومون. وهذا يحتاجُ إِلَى نقلٍ يُثبتهُ. ولا يُكتفَى فيهِ بمجرْدِ الاحتمالِ. وأمَّا الخروجُ إِلَى المصلَّى، فلعلَّهُ لغيرِ كراهةِ الصلاةِ فِي المسجدِ. فإنَّ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلَّى على سُهيلِ بنِ بيضاءَ فِي المسجدِ، ولعلَّ مَن يكرهُ الصلاةَ على الميَّتِ فِي المسجدِ يتمسَّكُ بهِ، إن كَانَ لا يخصُّ الكراهةَ يكونُ الميِّتُ فِي المسجدِ، ويكرُههَا مطلقًا سواءٌ كانَ الميِّتُ فِي مسجدٍ أمْ لاَ.
وفيهِ دليلٌ على أنَّ سُنَّةَ الصَّلاةِ على الجنازةِ: التكبيرُ أربعًا، وقدْ خالفَ فِي ذلك الشِّيعةُ، ووردتْ أحاديثُ: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كبَّرَ خَمْسًا. وقيلَ: إنَّ التكبيرَ أربعًا متأخرٌ عن التكبيرِ خمسًا، ورُويَ فيه حديثٌ عن ابنِ عباسٍ، ورُويَ عن بعضِ المتقدِّمينَ: أنَّهُ يُكبِّرُ علَى الجنازةِ ثلاثًا، وهذا الحديثُ يردُّهُ.
158 -الحديثُ الثاني: عن جابرٍ، رضى اللهُ عنه: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي، أَو الثَّالِث.
وحديثُ جابرٍ طرفٌ مِن الأوَّلِ، وقد وردَ عن بعضِ المتقدمينَ، أنه كانَ إذا حضرَ الناسُ للصلاةِ صفَّهم صفوفًا، طلبًا لقبولِ الشفاعةِ، للحديثِ المرويِّ فيمنْ صلَّى عليهِ ثلاثةُ صفوفٍ، ولعلَّ هَذَا الذي وردَ فِي الحديثِ مِن هذا القبيلِ، فإنَّ الصلاةَ كانتْ فِي الصحراءِ، ولعلَّهَا كانتْ لا تضيقُ عنْ صفٍّ واحدٍ، ويُمكنُ أنْ يكونَ لغيرِ ذلكَ، واللهُ أعلمُ.
159 -الحديثُ الثالثُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، رضي اللهُ عنهما: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ، بَعْدَ