وَقَولُهُ: (( الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا ) ). لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي أََوَّلَ الوَقْتِ وَآخِرَهُ، وَكَأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ: الاحْتِرَازُ عَمَّا إِذَا وَقَعَتْ خَارِجَ الوَقْتِ؛ قَضَاءً. وَأَنَّهَا لَا تَتنَزَّلُ هَذِهِ المَنْزِلَةَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: (( الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا ) ). وَهُوَ أَقْرَبُ لِأَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ مِن هَذَا اللَّفْظِ.
وَقَد اخْتَلَفَتِ الأَحَادِيثُ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ، وَتَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ. وَالَّذِي قِيلَ فِي هَذَا: إِنَّها أَجْوِبَةٌ مَخْصُوصَةٌ لِسَائِلٍ مَخْصُوصٍ، أوْ مَن هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهِ. أَوْ هِيَ مَخْصُوصَةٌ بِبَعْضِ الأَحْوَالِ الَّتِي تُرْشِدُ القَرَائِنُ إِلَى أَنَّهَا المُرَادُ. وَمِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يُحْمَلَ مَا وَرَدَ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ: (( أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجاتِكُمْ؟ ) ). وَفَسَّرَهُ بِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى - عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَفْضَلَ الأَعْمَالِ بِالنَّسْبَةِ إِلَى المُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ، أَو مَن هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهمْ، أَوْ مَن هُوَ فِي صِفَاتِهمْ. وَلَوْ خُوطِبَ بِذَلِكَ الشُّجَاعُ البَاسِلُ المُتَأهِّلُ لِلنَّفْعِ الأَكْبَرِ فِي القِتَالِ لَقِيلَ لَهُ: الجِهَادُ؛ وَلَو خُوطِبَ بِهِ مَن لَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي القِتَالِ, وَلَا يَتَمَحَّضُ حَالُهُ لِصَلَاحِيَّةِ التَّبَتُّلِ لِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَكَانَ غَنِيًّا يُنْتَفَعُ بِصَدَقَةِ مَالِهِ لَقِيلَ لَهُ: الصَّدَقَةُ. وَهَكَذَا فِي بَقِيَّةِ أَحْوَالِ النَّاسِ، قَد يَكُونُ الأَفْضَلُ فِي حَقِّ هَذَا مُخَالِفًا لِلأَفْضَلِ فِي حَقِّ ذَاكَ، بِحَسَبِ تَرْجِيحِ المَصْلَحَةِ الَّتِى تَلِيقُ بِهِ.
وَأَمَّا (( بِرُّ الوَالِدَيْنِ ) )فَقَدْ قُدِّمَ فِي هَذَا الحَدِيثِ عَلَى الجِهَادِ. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَعْظِيمِهِ. وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ أَذَاهُمَا بِغَيْرِ مَا يَجِبُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ. وَأَمَّا مَا يَجِبُ مِن الْبِرِّ فِي غَيْرِ هَذَا: فَفِي ضَبْطِهِ إِشْكَالٌ كَبِيرٌ.
وَأَمَّا (( الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى ) )فَمَرْتَبَتُهُ فِي الدِّينِ عَظِيمَةٌ. وَالقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَفْضَلُ مِن سَائرِ الأَعْمَالِ الَّتِي هِيَ وَسَائلُ. فَإِنَّ العِبَادَاتِ عَلَى قِسْمَيْنِ: مِنْهَا مَا هُوَ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ. وَمِنْهَا مَا هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى غَيْرِهِ، وَفَضِيلَةُ الوَسِيلَةِ بِحَسَبِ فَضِيلَةِ المُتَوَسَّلِ إِلَيْهِ. فَحَيْثُ تَعْظُمُ فَضِيلَةُ المُتَوسَّلِ إِلَيْهِ تَعْظُمُ فَضِيلَةُ الوَسِيلَةِ. وَلَمَّا كَانَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَسِيلَةً إِلَى إِعْلَانِ الإِيمَانِ وَنَشْرِهِ، وَإِخْمَالِ الكُفْرِ وَدَحْضِهِ كَانَتْ فَضِيلَةُ الجِهَادِ بِحَسَبِ فَضِيلَةِ ذَلِكَ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
46 -الحَدِيثُ الثَّانِى: عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُصَلِّي الفَجْرَ، فَيْشَهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِن المُؤْمِنَاتِ، مُتَلَفِّعَاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ. ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِن الغَلَسِ.
الْمُرُوطُ: أَكْسِيَةٌ مُعْلَمَةٌ، تَكُونُ مِن خَزٍّ. وَتَكُونُ مِن صُوفٍ، وَمُتَلَفِّعَاتٌ: مُلتَحِفَاتٌ، وَالغَلَسُ: اخْتِلَاطُ ضِيَاءِ الصُّبْحِ بِظُلْمَةِ الْلَيلِ.
وَفِي هَذَا الحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَرَى التَّغْلِيسَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ، وَتَقْدِيمَهَا فِي أَوَّلِ الوَقْتِ، لَاسِيَّمَا مَعَ مَا رُوِيَ مِن طُولِ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِىِّ، وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَرَأَى أَنَّ الإِسْفَارَ بِهَا أَفْضَلُ، لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ: (( أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ فَإِنَّهُ أََعْظَمُ لِلأَجْرِ ) )وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى شُهُودِ النِّسَاءِ الجَمَاعَةَ بِالمَسْجِدِ مَعَ الرِّجَالِ. وَلَيْسَ فِي الحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِنَّ عُجُزًا أَو شَوَابَّ. وَكَرِهَ بَعْضُهُم الخُرُوجَ لِلشَّوَابِّ.
وَقَوْلُهَا: مُتَلَفِّعَاتٌ: بِالعَيْنِ، وَيُرْوى مُتَلَفِّفَاتٌ بِالفَاءِ. وَالمَعْنَى مُتَقَارِبٌ: إِلَّا أَنَّ التَّلَفُّعَ يُسْتَعْمَلُ مَعَ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ. قَالَ ابنُ حَبِيبٍ: لَا يَكُونُ الالْتِفَاعُ إِلَّا بِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وَاسْتَأْنَسُوا لِذَلِكَ بِقَولِ عُبَيْدِ بنِ الأَبْرَصِ: