فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 381

127 -الحديثُ الثَّانِي: عَنْ عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: مِنْ كلِّ الْلَيلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَوَّلِ الْلَيلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ.

اختلفُوا فِي أنَّ الأفضلَ تقديمُ الوترِ فِي أوَّلِ الْلَيلِ، أَوْ تأخيرُه إِلَى آخرِه؟ عَلَى وجهينِ لأصحابِ الشافعيِّ، مَعَ الاتِّفاقِ عَلَى جوازِ ذَلِكَ، وحديثُ عائشةَ يدلُّ عَلَى الجوازِ فِي الأوَّلِ والوسطِ والآخرِ، ولعلَّ ذَلِكَ كَانَ بحسبِ اختلافِ الحالاتِ َوطُروِّ الحاجاتِ. وَقِيلَ: بالفرقِ بَيْنَ مَنْ يرجُو أنْ يقومَ فِي آخرِ الْلَيلِ، وَبَيْنَ مَنْ يخافُ أنْ لاَ يقومَ، والأولُ تأخيرُهُ أفضلُ،

والثاني: تقديمُه أفضلُ، وَلاَ شكَّ أنَّا إِذَا نظرنَا إِلَى آخرِ الْلَيلِ منْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ كانت الصَّلاةُ فِيْهِ أفضلَ مِنْ أوَّلهِ، لكنْ إِذَا عارضَ ذَلِكَ احتمالُ تفويتِ الأصلِ قدمناهُ عَلَى فواتِ الفضيلةِ، وَهَذِهِ قاعدةٌ قَدْ وقعَ فيهَا خلافٌ، ومِنْ جملةِ صُورِهَا: مَا إِذَا كَانَ عادمُ الماءِ يرجُو وجودَهُ فِي آخرِ الوقتِ، فهل يُقدَّمُ التيمُّمُ فِي أوَّلِ الوقتِ إِحرازًا للفضيلةِ المحقَّقةِ أم يؤخِّرُه إِحرازًا للوضوءِ؟ فِيْهِ خلافٌ، والمختارُ فِي مذهبِ الشافعيِّ أنَّ التقديمَ أفضلُ، فعليكَ بالنظرِ فِي التنظيرِ بَيْنَ المسألتينِ، والموازنةِ بَيْنَ الصُّورتينِ.

128 -الحديثُ الثَّالثُ: عَنْ عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ الْلَيلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لاَ يَجْلِسُ فِي شيءٍ إلاَّ فِي آخِرِهَا.

هَذَا كَمَا قدمناهُ - يُتمسَّكُ بِهِ فِي جوازِ الزِّيادةِ عَلَى ركعتينِ فِي النَّوافلِ، وتأوَّلهُ بعضُ المالكيَّةِ بتأويلٍ لاَ يتبادرُ إِلَى الذِّهنِ، وَهُوَ أنَّ حملَ ذَلِكَ عَلَى أنَّ الجلوسَ فِي محلِّ القيامِ لمْ يكنْ إلاَّ فِي آخرِ ركعةٍ، كأنَّ الأربعَ كانتِ الصَّلاةُ فيهَا قيامًا، والأخيرةُ كانتْ جلوسًا فِي محلِّ القيامِ، ورُبَّمَا دلَّ لفظهُ عَلَى تأويلِ أحاديثَ قدَّمها - هَذَا مِنْهَا - بأنَّ السَّلامَ وقعَ بَيْنَ كلِّ ركعتينِ، وَهَذَا مخالفةٌ للفظِ، فإنهُ لاَ يقعُ السَّلامُ بَيْنَ كلِّ ركعتينِ إلاَّ بعدَ الجلوسِ، وَذَلِكَ ينافيهِ قولُها: لاَ يجلسُ فِي شيءٍ إلاَّ فِي آخرِها. وَفِي هَذَا نظرٌ.

واعلمْ أنَّ مَحَطَّ النَّظرِ هُوَ الموازنةُ بَيْنَ الظَّاهرِ مِن قولِهِ عَلَيْهِ الصلَاةُ والسَّلاَمُ: (( صلاةُ الْلَيلِ مَثْنَى مَثْنَى ) )فِي دلالتهِ عَلَى الحصرِ، وَبَيْنَ دلالةِ هَذَا الفعلِ عَلَى الجوازِ، والفعلُ يتطرَّقُ إِلَيْهِ الخُصوصُ، إلاَّ أنه بعيدٌ لاَ يُصَارُ إِلَيْهِ إلاَّ بدليلٍ، فتبقَى دلالةُ الفعلِ عَلَى الجوازِ معارضةً بدلالةِ اللفظِ عَلَى الحصرِ، ودلالةُ الفعلِ عَلَى الجوازِ عندنَا أقوَى، نعمْ يبقَى نظرٌ آخرُ، وَهُوَ أنَّ الأحاديثَ دلتْ عَلَى جوازِ أعدادٍ مخصوصةٍ، فَإِذَا جمعناهَا ونظرنَا أكثرَها، فَمَا زادَ عَلَيْهِ - إِذَا قُلْنَا بجوازِه - كَانَ قولًا بالجوازِ مَعَ اقتضاءِ الدَّليلِ منعَهُ منْ غيرِ معارضةِ الفعلِ لَهُ.

فلقائلٍ أنْ يقولَ: يُعملُ بدليلِ المنعِ حَيْثُ لاَ مُعَارِضَ لَهُ مِن الفعلِ، إلاَّ أنْ يصدَّ عن ذَلِكَ إجماعٌ، أَوْ يقومَ دليلٌ عَلَى أنَّ الأعدادَ المخصوصةَ ملغاةٌ عن الاعتبارِ، ويكونُ الحكمُ الَّذِي دلَّ عَلَيْهِ الحديثُ مطلقَ الزِّيادةِ، فهنا يمكنُ أمرانِ:

أحدُهما: أنْ نقولَ: مقاديرُ العباداتِ يغلبُ عليهَا التعبُّدُ، فَلاَ يُجزمُ بأنَّ المقصودَ مطلقُ الزِّيادةِ.

وَالثَّانِي: أنْ يقولَ: المانعُ المُخلُّ هُوَ الزِّيادةُ عَلَى مقدارِ الركعتينِ، وَقَدْ أُلْغِيَ بِهَذِهِ الأحاديثِ، وَلاَ يقوَى كثيرًا، واللهُ عَزَّ وَجَلَّ أعلمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت