(( ثَوْبَهُ ) )دالَّةً عَلَى المتَّصلِ بِهِ، إمَّا منْ حَيْثُ اللفظُ أَوْ مِن أمرٍ خارجٍ عَنْهُ، [ونعنِي بالأمرِ الخارجِ قلةَ الثِّيابِ عِنْدَهُمْ، وَمِمَّا يدلُّ عَلَيْهِ مِن جهةِ اللَّفظِ قَولهُ: (( بسطَ ثَوْبَهُ، فسجَدَ عَلَيْهِ ) )يدلُّ عَلَى أنَّ البسطَ معقَّبٌ بالسجودِِ، لدلالةِ الفاءِ عَلَى ذَلِكَ ظَاهرًا] .
والثَّانِي: أنْ يدلَّ دليلٌ عَلَى تناولِه لمحلِّ النِّزاعِ، إِذْ مَنْ منعَ السُّجودَ عَلَى الثَّوبِ المتَّصلِ بِهِ يَشترطُ فِي المنعِ أن يكونَ متحرِّكًا بحركةِ المصلِّي، وَهَذَا الأمرُ الثَّانِي سهلُ الإِثباتِ، لأنَّ طولَ ثيابِهم إِلَى حَيْثُ لاَ تتحرَّكُ بالحركةِ بعيدٌ.
118 -الحديثُ السَّابعُ: عَنْ أَبِي هُرَيرةَ، رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لاَ يُصَلِّي أَحدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقهِ مِنْهُ شَيْءٌ ) ).
هَذَا النَّهيُ معلَّلٌ بأمرينِ: أحدُهُما: أنَّ فِي ذَلِكَ تعرِّيَ أعالي البدنِ، ومخالفةَ الزينةِ المسنونةِ فِي الصَّلاةِ. وَالثَّانِي: أنَّ الَّذِي يفعلُ ذَلِكَ إمَّا أن يَشغلَ يدهُ بإمساكِ الثَّوبِ أَوْ لاَ، فإنْ لَمْ يشغلْ خِيفَ سقوطُ الثَّوبِ وانكشافُ العورةِ، وَإِنْ شغلَ كَانَ فِيْهِ مفسدتانِ: إِحداهُمَا: أنهُ يمنعُه مِن الإِقبالِ عَلَى صلاتهِ والاشتغالِ بِهَا. الثانيةُ: أنهُ إِذَا شغلَ يدَهُ فِي الركوعِ والسجودِ لاَ يُؤمنُ مِنْ سقوطِ الثَّوبِ وانكشافِ العورةِ.
ونُقلَ عَنْ بعضِ العُلماءِ القولُ بظاهرِ هَذَا الحديثِ، وَمنعَ الصَّلاةَ فِي السَّراويلِ والإِزارِ وحدَهُ، لأنَّهَا صلاةٌ فِي ثوبٍ واحدٍ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهَذَا مخصوصٌ بغيرِ حالةِ الضَّرورةِ، والأشهرُ عِنْدَ الفُقهاءِ خلافُ هَذَا المذهبِ، وجوازُ الصَّلاةِ بِمَا يستُرُ العورةَ، وعارضُوا هَذَا بِقَولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لجابرٍ فِي الثَّوبِِ: (( وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فاتَّزِرْ بِهِ ) )، وَيُحملُ هَذَا النَّهيُ عَلَى الكراهةِ، واللهُ أعلمُ.
119 -الحديثُ الثَّامنُ: عَنْ جَابرِ بْنِ عبدِ اللهِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( مَنْ أَكَلَ ثُوْمًا أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ ) )وَأُتِيَ بِقِدْرٍ فِيْهِ خُضَرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ؟ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيْهَا مِنَ الْبُقُولِ، فَقَالَ: (( قَرِّبُوهَا إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِي ) )، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ: (( كُلْ، فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لاَ تُنَاجِي ) ).
الكلامُ عَلَيْهِ مِنْ وجوهٍ:
أحدُها: هَذَا الحديثُ صريحٌ فِي التخلُّفِ عَنْ الجماعةِ فِي المساجدِ بسببِ أكلِ هَذِهِ الأمورِ، واللازمُ عَنْ ذَلِكَ أحدُ أمرينِ: إمَّا أَنْ يكونَ أكلُ هَذِهِ الأمورِ مباحًا، وَصلاةُ الجماعةِ غيرُ واجبةٍ عَلَى الأعيانِ، أَوْ تكونَ الجماعةُ واجبةً عَلَى الأعيانِ، ويمتنعُ أكلُ هَذِهِ الأشياءِ إِذَا آذتْ، إِنْ حَملنَا النَّهيَ عَن القُرْبَانِ عَلَى التحريمِ، وجمهورُ الأمَّةِ عَلَى إِباحةِ أكلِهَا، لِقولِه عَلَيْهِ الصلَاةُ والسَّلاَمُ: (( لَيْسَ لِي تحريمُ مَا أحلَّ اللهُ، ولكنِّي أكرهُهُ ) )، ولأنهُ عُلِّلَ بِشَيْءٍ يَختصُّ بِهِ، وَهُوَ قَولهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ: (( فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لاَ تُنَاجِي ) )، ويلزمُ مِنْ هَذَا أَنْ لاَ تكونَ الجماعةُ فِي المسجدِ واجبةً عَلَى الأعيانِ.
وتقريرُه أنْ يُقَالَ: أَكْلُ هَذِهِ الأمورِ جائزٌ بِمَا ذكرناهُ، وَمِنْ لوازِمِه تركُ صلاةِ الجماعةِ فِي حقِّ آكلِها للحديثِ، ولازمُ الجائزِ جائزٌ، فتركُ الجماعةِ فِي حقِّ آكلِها جائزٌ، وَذَلِكَ يُنافِي الوجوبَ عَلَيْهِ.
ونُقِلَ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِر - أَوْ بَعضِهم - تحريمُ أكلِ الثَّومِ، بِناءً عَلَى وجوبِ صلاةِ الجماعةِ عَلَى الأعيانِ.