في اقْتِضَاءِ ذلكَ الطَّلبِ. وإنَّما يَنْبَغِيِ أن يُنْظَرَ في أنَّ لَوَازِمَ صِيغَةِ الْأَمْرِ: هَلْ هي لوازمُ لصيغةِ الأمرِ بالأمرِ، بمعنَى أنَّهمَا: هل يَسْتَوِيَانِ في الدَّلالةِ على الطَّلبِ من وجهٍ واحدٍ، أم لاَ؟
وفي قولِهِ"قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا"دليلٌ علَى امْتِنَاعِ الطَّلاقِ في الطُّهرِ الذي مَسَّهَا فيهِ، فإنَّهُ شَرَطَ في الإذنِ عَدَمَ الْمَسِيسِ لهَا. والمُعَلَّقُ بالشَّرطِ مَعْدُومٌ عندَ عدمِهِ. وهذا هُو السَّببُ الثَّاني لِكَونِ الطَّلاقِ بِدْعِيًّا. وهو الطَّلاقُ في طُهرٍ مَسَّها فيهِ. وهوَ مُعَلَّلٌ بِخَوْفِ النَّدمِ؛ فإنَّ المَسِيسَ سَبَبُ الْحَمْلِ وَحُدُوثِ الْوَلَدِ. وذلكَ سببٌ للنَّدَامَةِ والطَّلاقِ.
وقولُه:"فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاَقِهَا"هوَ مذهبُ الجمهورِ مِنَ الأُمَّةِ، أعنيِ: وُقُوعَ الطَّلاقِ في الحيِض، ِ والاعتدادَ بهِ.
319 -الحديثُ الثَّاني: عَن فَاطِمَةَ بنتِ قيسٍ"أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّهَ، وَهُوَ غَائِبٌ - وفي روايةٍ: طَلَّقَهَا ثَلاَثًا - فَأَرْسَلَ إِلَيْها وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ. فقالَ: وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيءٍ فَجَاءَتْ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ فَذَكَرَتْ ذلِكَ لَهُ، فقالَ: لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ - وفي لفظٍ: وَلاَ سُكْنَى - فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ في بَيْتِ أَمِّ شَرِيكٍ، ثمَّ قال: تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّى عِنْدَ ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فإذَا حَلَلْتِ فآذَنِينِي. قالتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ: أَمَّا أَبُو جَهْمٍ: فَلاَ يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِِقِهِ. وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ: فَصُعْلُوكٌ، لاَ مَالَ لَهُ، انكحي ... أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَكَرِهْتُه. ثم قالَ: انكحي ... أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ، فَنَكَحْتُه. فَجَعَلَ اللهُ فيهِ خَيْرًا، وَاغْتَبَطْتُ بِهِ".
قولُه:"طَلَّقَها أَلْبَتَّةَ"يُحتَمَلُ أن يكونَ حِكايةً للفظٍ أَوْقَعَ بهِ الطَّلاقَ. وقولُه"طَلّّقَهَا ثَلاثًَا"تَعْبِيرٌ عَمَّا وَقَعَ مِنَ الطَّلاقِ بلفظِ"أَلْبَتَّةَ"وهذَا على مَذْهَبِ مَن يَجْعَلُ لَفْظََ"ألَبَّتَةِ"للثلاثِ. ويُحْتَمَلُ أن يكونَ اللَّفظُ الذيِ وقعَ بهِ الطَّلاقُ هوَ الطَّلاقُ الثَّلاثُ، كمَا جاءَ في الرِّوايةِ الأُخرىَ. ويكونُ قولُه"طَلَّقَها ألبَّتةَ"تَعْبِيرًا عمَّا وقعَ مِنَ الطَّلاقِ بلفِظِ"الطَّلاقِ ثلاثًا"وهذا يَتَمَسَّكُ بهِ مَن يرَى جَوَازَ إيقاعِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ دُفْعَةً، لِعَدَمِ الإنكارِِ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ. إلا أنَّه يُحْتَمَلُ أن يكونَ قولُه:"طَلَّقَها ثلاثًا"أيْ: أَوْقَعَ طَلْقَةً تَتِمُّ بها الثَّلاثُ. وقدْ جاءَ في بعضِ الرِواياتِ"ثلاثُ تَطْلِيقَاتٍ".
وقولُه"وهو غَائِبٌ"فيه دليلٌ على وُقُوعِ الطَّلاقِ في غَيْبَةِ الْمَرْأَةِ، وهو مُجَمَعٌ عليهِ. وقولُه"فأَرْسَلَ إليهَا وَكِيلَهُ بشعيرٍ"يُحْتَمَلُ أن يكونَ مَرْفُوعًا. ويكونُ الوكيلُ هوَ المرسِلَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يكونَ مَنْصُوبًا. ويكونُ الْوَكِيلُ هُوَ الْمُرْسَلَ. وَقَدْ عَيَّنَ بَعضُهمْ للرِّوايةِ الاحتمالَ الأَوَّلَ، والضَّميرُ في قولِهِ"وكيلَه"يعودُ على أبِي عَمْرِو بنِ حَفْصٍ. وَقِيلَ: اسمُهُ كُنْيَتُهُ. وقيلَ: اسمهُ عبدُ الحميدِ. وقيلَ: اسمُهُ أحمدُ. وقالَ بعضُهم: أبو حفصِ بنُ عَمرٍو. وقيلَ: أبوُ حفصِ بنُ المُغيرةِ. ومَن قالَ"أبو عِمرِو بنُ حفصٍ"أكثرُ.
وقولُه عليه السَّلامُ"ليسَ لكَ عليه نفقَةٌ". هذا مَذْهَبُ الأَكْثَرِينَ، إذا كانت البائنُ حَائِلًا، وَأَوْجَبَها أبُو حَنِيفَةَ.
وقولُه"وَلاَ سُكْنَى". هو مَذْهَبُ أحمدَ، وأَوْجَبَ الشافعيُّ، ومالكٌ السُّكْنى لقولِه تعالى (الطلاق: 6 أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ) وأَمَّا سُقُوطِ النَّفقةِ فَأَخَذُوهُ مِن مَفْهُومِ قولِه تَعَالَى (الطلاق: 6 وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ) فَمَفْهُومُه: إِذَا لَمْ يَكُنَّ حَوَامِلَ لا يُنْفَقُ عَلَيْهِنَّ. وقد نُوزِعُوا في تَنَاوُلِ الآيةِ للبائِنِ. أعنى: قولَهُ (أسْكِنُوهُنَّ) ومَنْ قالَ: لهَا السُّكْنَى فهو مُحْتَاجٌ إلى الاعْتِذَارِ عن حديثِ فَاطِمَةَ. فَقِيلَ في العُذْرِ: ما حَكَوه عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ (أنَّها