فهرس الكتاب

الصفحة 304 من 381

كَانتِ امرأةً لَسِنَةً. اسْتَطَالتْ عَلَى أَحْمائِها، فَأَمرَهَا بِالانْتِقَالِ"وقيلَ: لأِنها خافَتْ في ذلك المنزلِ وقدْ جاءَ في كتابِ مُسْلِمٍ"أَخافُ أنْ يُقْتَحَمَ عليَّ"."

واعْلَمْ أنَّ سياقَ الحديثِ على خِلَافِ هذهِ التَّأَوِيلاِتِ. فإنَّهِ يقتضِِي أنَّ سَببَ الحُكمِ أنها اخْتَلَفَتْ معَ الوكيلِ بسبَبِ سُخْطِها الشَّعيرَ، وأنَّ الوكيلَ ذكَرَ أنْ لا نَفَقَةَ لها، وأنَّ ذلكَ اقْتَضَى أنْ سألَتْ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ فأَجَابَهَا بِمَا أَجَابَ. وذلكَ يَقْتَضِي أنَّ التَّعليلَ بسببِ ما جَرَىَ مِن الاخْتلافِ في وُجُوبِ النَّفَقَةِ لا بِسَبَبِ هذِه الأمورِ التَّي ذُكِرَتْ فإنْ قامَ دليلٌ أقْوى وَأَرْجَحُ مِن هذا الظَّاهرِ عُمِِلَ بِه.

وقولُه:"فَأمرَها أنْ تَعْتَدَّ في بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ"قيلَ: اسْمُها غَزِيَّةُ: وقيلَ: غُزَيْلَةُ. وهي قُرَشِيَّةٌ عامِريةٌ وقيلَ: إنَّها أَنْصَارِيَّةٌ.

وقولُه عليه السَّلامُ:"تِلكَ امْرَأَةٌ يغْشَاهَا أَصْحَابِي"، قيلَ: كانُوا يزُورُونهَا، وُيكْثِرُونَ مِن التَّردُّدِ إلَيْها؛ لِصَلَاحِها. ففي الاعتدادِ عندَها حرَجٌ، وَمَشَقَّةٌ في التَّحفُّظِ مِن الرُّؤيةِ: إمَّا رؤيتُهمْ لها، أو رؤْيتُها لَهُمْ، على مَذْهَبِ مَن يَرَى تَحْرِيمَ نَظَرِ الْمَرْأَةِ للأَجنبيِّ، أَوْ لَهُمَا معًا.

وقولُه:"اعْتَدِّي عندَ ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. فَإِنَّه رجلٌ أَعْمَى"، قد يَحْتَجُّ به مَن يَرى جَوازَ نَظَرِ المَرْأَةِ إلى الأجنبيِّ؛ فإنَّه عُلِّلَ بالعَمَى، وهو مُقْْتَضٍ لِعَدَمِ رُؤْيتِهِ، لا لِعَدَمِ رُؤْيتِهِا. فَيَدُلُّ على أنَّ جوازَ الاعتدِادِ عندَهُ معلَّلٌ بالعَمَى المُنَافِي لرؤْيتِه.

واختارَ بعضُ المتأخِّرينَ تَحْرِيمَ نَظَرِ المرأةِ إلى الأجنبيِّ، مُسْتَدِِلًّا بقِولِه تعالى (النور: 30 قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) (النور: 31 وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) وَفِيهِ نظرٌ؛ لأنَّ لفظةَ"مِنْ"للتّبعيضِ. ولا خلافَ أنَّها إذَا خافَت الفِتْنةَ حُرِّمَ عليْها النَّظرُ. فَإِذًا هذِه حالةٌ يَجِبُ فيهَا الغَضُّ. فَيُمْكِنُ حَمْلُ الآيةِ عَليها. ولا تَدُلُّ الآيةُ حينئذٍ على وُجُوبِ الْغَضِّ مُطْلَقًا، أو فِي غَيرِ هذهِ الحالةِ وهذا إنْ لمْ يكنْ ظاهرَ اللَّفظِ فَهُو مُحْتَمِلٌ له احْتِمَالًا جيِّدًا، يُتَوَقَّفُ مَعَه الاستدْلالُ على مَحَلِّ الخلافِ.

وقالَ هذا المُتَأَخِّرُ: وأما حديثُ فاطمةَ بنتِ قيسٍ، مع ابنِ أمِّ مَكْتُومٍ فليسَ فيه إذْنٌ لها في النَّظرِ إليْه، بل فيه أنَّها تَأْمَنُ عندَه مِن نَظَرِ غيرِه، وهي مأْمورةٌ بغضِّ بصرِها، فيُمْكِنُها الاحترازُ عن النَّظرِ بلا مَشَقَّةٍ، بخلافِ مُكْثِها فِي بيتِ أمِّ شَرَيْكٍ.

وهذَا الَّذي قالَهُ: إِعْرَاضٌ عنِ التَّعليلِ بِعمَاهُ. وما ذَكَرَه مِن المَشقَّةِ موجودٌ في نَظَرِها إليه، مع مُخَالَطَتِها له في البيتِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّما عَلَّلَ بالعَمَى؛ لكونِها تَضَعُ ثيابَها مِن غيرِ رؤيتِهِ لهَا. فحينئذٍ يخرجُ التَّعليلُ عنِ الحُكْمِ باعْتِدَادِها عندَهُ.

وقولُه عليه السَّلامُ:"فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنينِي"مَمْدُودُ الهمْزِ، أيْ: أَعْلِمِينِي واسْتُدِلَّ به على جَوَازِ التَّعريضِ بِخِطْبَةِ البائنِِ، وفيه خلافٌ عندَ الَشافعيَّةِ.

قولُه عليه السَّلامُ"أمَّا أبُو جَهْمٍ فلا يضعُ عَصَاهُ عَنِ عاتِقِه"فيهِ تَأْوِيلَانِ. أحدُهما: أنَّه كثيرُ الأسْفارِِ: والثَّانيِ: أنَّه كثيرُ الضَّربِ. ويترجَّحُ هذا الثَّانِي بما جاءَ في بعضِ رواياتِ مُسْلِمٍ"أنَّه ضَرَّابٌ للنِّساءِ".

وَفيِ الحديثِِ دليلٌ على جَوَازِ ذِكْرِ الإنسانِ بما فيه عندَ النَّصيحَةِ. ولاَ يكونُ مِن الغِيبَةِ المُحَرَّمةِ. وهذا أحدُ المواضعِ الَّتي أُبِيحَتْ فيها الغيبةُ لأجْلِ المصلحةِ و"العاتِقُ"ما بينَ العُنُقِ والمَنْكِبِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت