ذكرها )) عائدٌ إِلَى الصَّلاةِ المنسيةِ، أَوْ التي يقعُ النَّومُ عنهَا، فكيفَ يُحملُ ذَلِكَ عَلَى ضدِّ النَّومِ والنِّسيانِ، وَهُوَ الذِّكرُ واليقظةُ؟ نعمْ لَوْ كَانَ كلامًا مبتدأً، مثلَ أنْ يُقَالَ: مَن ذكرَ صلاةً فليصلِّها إِذَا ذكرَها، لكانَ مَا قِيلَ مُحتملًا، عَلَى تَمَحُّلِ مجازٍ. وَأَمَّا قولُهُ: (( كالنَّاسي ) )إنْ أرادَ بِهِ أنَّه مثلُه فِي الحكمِ فَهُوَ دَعوَى، وَلَوْ صحَّتْ لكانَ ذَلِكَ مستفادًا مِن اللَّفظِ، بل مِنْ القياسِ، أَوْ مِنْ مفهومِ الخِطاب الَّذِي أشرنا إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ مِن الاستنادِ إِلَى قولهِ: (( كفارةٌ لَهَا إلاَّ ذَلِكَ ) )، والكفارةُ إِنَّمَا تكونُ من الذَّنبِ، والنائمُ والنَّاسِي لاَ ذنبَ لهُمَا، وَإِنَّمَا الذنبُ للعامدِ - لاَ يصحُّ أَيْضًا لأنَّ الكلامَ كلَّه مسوقٌ عَلَى قولهِ: (( مَنْ نامَ عن صلاةٍ أَوْ نسيَها ) )، والضمائرُ عائدةٌ إليهَا، فَلاَ يجوزُ أنْ يُخرَجَ عن الإِرادةِ، ولا أنْ يُحملَ اللفظُ مَا لاَ يحتملُه، وتأويلُ لفظِ (( الكفارةِ ) )هنا أقربُ وأيسرُ مِن أنْ يُقَالَ: إنَّ الكلامَ الدالَّ عَلَى الشَّيءِ مدلولٌ بِهِ عَلَى ضدِّهِ، فإنَّ ذَلِكَ ممتنعٌ، وَلَيْسَ ظهورُ لفظِ (( الكفارةِ ) )فِي الإِشعارِ بالذَّنبِ بالظُّهورِ القويِّ الَّذِي يُصادَمُ بِهِ النصُّ الجليُّ، فِي أنَّ المرادَ الصَّلاةُ المنسيةُ، أَوْ التي وقعَ النومُ عنهَا، وَقَدْ وردتْ كفارةُ القتلِ خطأً مَعَ عدمِ الذَّنبِ، وكفارةُ اليمينِ باللهِ مَعَ استحبابِ الْحَنْثِ فِي بعضِ المواضعِ، وجوازِ اليمينِ ابتداءً وَلاَ ذنبَ.
116 -الحديثُ الخامسُ: عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ: أَنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِشاءَ الآخِرَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلاَةَ.
اختلفَ الفقهاءُ فِي جوازِ اختلافِ نيةِ الإِمامِ والمأمومِ عَلَى مذاهبَ، أوسعِها الجوازُ مطلقًا، فيجوزُ أنْ يَقتديَ المفترضُ بالمتنفِّلِ وعكسُه، والقاضِي بالمُؤدِّي وعكسُه، سواءٌ اتَّفقتِ الصلاتانِ أم لاَ، إلاَّ أنْ تختلفَ الأفعالُ الظاهرةُ، وَهَذَا مذهبُ الشافعيِّ.
الثَّانِي: مقابلُهُ، وَهُوَ أضيقُها، وَهُوَ أنه لاَ يجوزُ اختلافُ النِّياتِ، حَتَّى لاَ يصليَ المتنفِّلُ خلفَ المفترضِ.
والثالثُ: أوسطُها، أنَّه يجوزُ اقتداءُ المتنفِّلِ بالمفترضِ، لاَ عكسُه، وَهَذَا مذهبُ أبي حنيفةَ ومالكٍ، ومَن نقلَ عَنْ مذهبِ مالكٍ مثلَ المذهبِ الثَّانِي، فَلَيْسَ بجيِّدٍ، فليُعلَمْ ذَلِكَ.
وحديثُ معاذٍ: استُدِلَّ بِهِ عَلَى جوازِ اقتداءِ المفترضِ بالمتنفِّلِ.
وحاصلُ مَا يُعتذَرُ بِهِ عَن هَذَا الحديثِ، لمن منعَ ذَلِكَ مِن وجوهٍ:
أحدُها: أَنَّ الاحتجاجَ بِهِ مِن بابِ تركِ الإِنكارِ مِن النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشرطُه علمُه بالواقعةِ، وجازَ أنْ لاَ يكونَ علمَ بِهَا، وأنهُ لَوْ علمَ لأنكرَ.
وأُجيبَ عَلَى ذَلِكَ بأنَّه يَبعُدُ - أَوْ يمتنعُ - فِي العادةِ أنْ لاَ يعلَمَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ مِن عادةِ معاذٍ، واستدلَّ بعضُهم - أعني المانعينَ - بروايةِ عَمرِو بنِ يحيى المازنيِّ عن معاذِ بنِ رفاعةَ الزَّرقيِّ: أنَّ رجلًا مِن بني سلِمةَ يُقَالُ لَهُ: سُليمٌ، أتى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إنَّا نظلُّ فِي أعمالِنَا، فنأتي حِيْنَ نُمسِي فنُصلِّي، فيأتي معاذُ بنُ جبلٍ، فينادِي بالصلاةِ فَنَأْتِيهُ، فيطوِّل علينَا، فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَا معاذُ، لاَ تكنْ أَوْ لاَ تكونَنَّ - فَتَّانًا، إمَّا أنْ تصلِّيَ معِي، وَإمَّا أنْ تُخفِّفَ عن قومِكَ ) )قَالَ: فقولُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمعاذٍ يدلُّ عَلَى أنهُ عندَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يفعلُ أحدَ الأمرينِ، إمَّا الصلاةُ معهُ أَوْ بقومِه، وأنه لمْ يكنْ يجمعُهما، لأنَّهُ قَالَ: (( إمَّا أَنْ تصليَ معِي ) )أيْ وَلاَ تُصلِّ بقومِكَ