[وَقَدْ يُقَالُ عَلَى هَذَا: إنَّ حَالَةَ التَّغَيُّرِ مَأْخُوذَةٌ مِن غَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ، فَلَا يَلْزَمُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الوَاحِدِ فِي مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَهَذَا مُتَّجِهٌ، إِلَّا أنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّخْصِيصُ فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَالمُخَصِّصُ الإِجْمَاعُ عَلَى نَجَاسَةِ المُتَغَيِّرِ] .
الوَجْهُ الثَّانِى: اعلَمْ أَنَّ النَّهْيَ عَن الاغْتِسَالِ لا يَخُصُّ الغُسْلَ، بَل التَّوَضُّؤُ فِي مَعْنَاهُ، وَقَد وَرَدَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: (( لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ ) )، وَلَوْ لَمْ يَرِدْ لَكَانَ مَعْلُومًا قَطْعًا؛ لاسْتِوَاءِ الوُضُوءِ وَالغُسْلِ فِي هَذَا الحُكِمْ، لِفَهْمِ المَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَأََنَّ المَقْصُودَ التَّنَزُّهُ عَن التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالمُسْتَقْذَرَاتِ.
الثَّالِثُ: وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوايَاتِ: (( ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ ) )وَفِي بَعْضِهَا: (( ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيْهِ ) )، وَمَعْنَاهُمَا مُخْتَلِفٌ، يُفِيدُ كَلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمًا بِطَرِيقِ النِّصِّ، وَآخَرَ بِطَرِيقِ الاسْتِنْبَاطِ، وَلَوْ لَمْ يَرِدْ فِيْهِ لَفْظَةُ (( فِيْهِ ) )لاسْتَوَيا لِمَا ذَكَرْنَا.
الرَّابِعُ: مِمَّا يُعْلَمُ بُطلَانُهُ قَطْعًا مَا ذَهَبَتْ إِلَيهِ الظَّاهِرِيَّةُ الجَامِدَةُ مِنْ أَنَّ الحُكْمَ مَخْصُوصٌ بِالبَولِ فِي المَاءِ، حَتَّى لَوْ بَالَ فِِي كُوزٍ وَصَبَّهُ فِي المَاءِ لَمْ يَضُرَّ عِنْدَهُمْ، أَوْ لَوْ بَالَ خَارِجَ المَاءِ فَجَرَى البَولُ إِلَى المَاءِ لَمْ يَضُرَّ عِنْدَهُمْ أيضًا، وَالعِلْمُ القَطْعِيُّ حَاصِلٌ بِبُطلَانِ قَوْلِهِمْ؛ لاِسْتِوَاءِ الأَمْرَيْنِ فِي الحُصُولِ فِي المَاءِ، وَأنَّ المَقْصُودَ اجْتِنَابُ مَا وَقَعَتْ فِيْهِ النَّجَاسَةُ مِن المَاءِ، وَلَيسَ هَذَا مِن مَجَالِ الظُّنُونِ، بَلْ هُوَ مَقطُوعٌ بِهِ.
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِي قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لاَ يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ ) )، فَقَد اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَسْألَةِ المُسْتَعْمَلِ، وَأَنَّ الاغْتِسَالَ فِي المَاءِ يُفْسِدُهُ؛ لأَنَّ النَّهْيَ وَارِدٌ هَهُنَا عَلَى مُجَرَّدِ الغُسْلِ، فَدَّلَ عَلَى وُقُوعِ المَفْسَدَةِ بِمُجرَّدِهِ، وَهِيَ خُرُوجُهُ عَن كَونِهِ أَهْلًا لِلتَّطهِيرِ بِهِ، إمَّا لِنَجَاسَتِهِ، أَوْ لِعَدَمِ طَهُورِيَّتِهِ، وَمَعَ هَذَا فَلَابُدَّ فِيهِ مِن التَّخْصِيصِ؛ فَإِنَّ المَاءَ الكَثِيرَ - إِمَّا القُلَّتَانِ فمَا زَادَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، أَوْ المُسْتَبْحِرُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ - لا يُؤثِّرُ فِيْهِ الاسْتِعْمَالُ، ومَالِكٌ لَمَّا رَأَى أنَّ المَاءَ المُستَعْمَلَ طَهُورٌ، غَيْرَ أنَّهُ مَكْرُوهٌ , يَحْمِلُ هَذَا النَّهْيَ عَلَى الكَرَاهَةِ.
وَقَد يُرَجِّحُهُ أنَّ وُجُوهَ الانْتِفَاعِ بِالمَاءِ لاَ تَخْتَصُّ بالتَّطْهِيرِ، وَالحَدِيثُ عَامٌّ فِي النَّهْيِ، فَإِذَا حُمِلَ عَلَى التَّحْرِيمِ لِمَفْسَدَةِ خُرُوجِ المَاءِ عَن الطَّهُورِيَّةِ، لَمْ يُنَاسِبْ ذَلِكَ؛ لأَنَّ بَعْضَ مَصَالِحِ المَاءِ تَبْقَى بَعْدَ كَوْنِهِ خَارِجًا عَن الطَّهُورِيَّةِ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى الكَرَاهَةِ كَانَت المَفْسَدَةُ عَامَّةً؛ لأَنَّهُ يُسْتَقْذَرُ بَعْدَ الاغْتِسَالِ فِيهِ، وَذَلِكَ ضَرَرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَن يُرِيدُ اسْتِعْمَالَهُ فِي طَهَارَةٍ أَوْ شُرْبٍ، فَيَسْتَمِرُّ النَّهْيُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى المَفَاسِدِ المُتَوقَّعَةِ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى المَجَازِ، أَعْنِي حَمْلَ النَّهْيِ عَلَى الكَرَاهَةِ، فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي التَّحرِيمِ.
6 -الحَدِيثُ السَّادِسُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا ) )، وَلِمُسْلِمٍ: (( أُوْلَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ) ).
وَلَهُ فِي حدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ ) ). فِيْهِ مَسَائِلُ: