فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 381

الأُوْلَى: الأمْرُ بِالغَسْلِ ظَاهِرٌ فِي تَنْجِيسِ الإِنَاءِ، وَأقْوَى مِن هَذَا الحَدِيثِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ، وَهِيَ قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، إِذَا وَلَغَ فِيْهِ الْكَلْبُ، أَنْ يُغْسَلَ سَبْعًا ) )، فَإِنَّ لَفْظَةَ (( طَهُورِ ) )تُسْتَعْمَلُ إِمَّا عَن الحَدَثِ، أَو عَن الخَبَثِ، وَلا حَدَثَ عَلَى الإِنَاءِ بِالضَّرُورَةِ، فتَعَيَّنَ الخَبَثُ، وَحَمَلَ مَالِكٌ هَذَا الأمْرَ عَلَى التَّعَبُّدِ؛ لاِعْتِقَادِهِ طَهَارَةَ المَاءِِ وَالإِنَاءِ، وَرُبَّمَا رَجَّحَهُ أَصْحَابُهُ بِذِكْرِ هَذَا العَدَدِ المَخْصُوصِ، وَهُوَ السَّبْعُ؛ لأَنَّهُ لَوْ كَان للنَّجَاسَةِ لاَكْتُفِيَ بِمَا دُونَ السَّبْعِ، فَإِنَّهُ لا يَكُونُ أَغْلظَ مِن نَجَاسَةِ العَذِرَةِ، وَقَد اكْتُفِيَ فِيهَا بِمَا دُونَ السَّبْعِ، وَالحَمْلُ عَلَى التَّنْجِيسِ أَوْلَى؛ لأَنَّهُ مَتَى دَارَ الحُكْمُ بَيْنَ كَوْنِهِ تَعَبُّدًا أَو مَعْقُولَ المَعْنَى، كَانَ حَمْلُهُ عَلَى كَوْنِهِ مَعْقُولَ المَعْنَى أَوْلَى؛ لِنُدْرَةِ التَّعَبُّدِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأَحْكَامِ المَعْقُولَةِ المَعْنَى.

وأمَّا كَوْنهُ لا يَكُونُ أَغْلَظَ مِن نَجَاسَةِ العَذِرةِ، فمَمْنُوعٌ عِندَ القَائِلِ بِنَجَاسَتِهِ، نَعَمْ لَيسَ بِأََقذَرَ مِن العَذِرَةِ، وَلَكِنْ لا يَتَوَقَّفُ التَّغْلِيظُ عَلَى زِيَادَةِ الاسْتِقْذَارِ. وَأيْضًا فَإِذَا كَانَ أَصْلُ المَعْنَى مَعْقُولًا قُلْنَا بِهِ، وَإِذَا وَقَعَ فِي التَّفَاصِيلِ مَا لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ فِي التَّفْصِيلِ، لَمْ يَنْقُصْ لِأَجْلِهِ التَّأْصِيلُ، وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ فِي الشَّرِيعَةِ، فلَوْ لَمْ تَظْهَرْ زِيَادَةُ التَّغْْلِيظِ فِي النَّجَاسَةِ لكُنَّا نَقْتَصِرُ فِي التَّعَبُّدِ عَلَى العَدَدِ، وَنَمْشِي فِي أَصْلِ المَعْنَى عَلَى مَعْقُولِيَّةِ المَعْنَى.

المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا ظَهَرَ أنَّ الأَمْرَ بِالغَسْلِ لِلنَّجَاسَةِ، فَقَد اسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى نَجَاسَةِ عَيْنِ الكَلْبِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ طَرِيقَانِ:

أَحَدُهُمَا: أنَّهُ إِذَا ثَبَتَتْ نَجَاسَةُ فَمِهِ مِن نَجَاسَةِ لُعَابِهِ، فَإِنَّهُ جُزْءٌ مِن فَمِهِ، وَفَمُهُ أشْرَفُ مَا فِيْهِ، فبَقِيَّةُ بَدَنِهِ أَوْلَى.

الثَّانِي: إِذَا كَانَ لُعَابُهُ نَجِسًا - وَهُوَ عَرَقُ فَمِهِ - فَفَمُهُ نَجِسٌ، وَالعَرَقُ جُزْءٌ مُتَحَلَّبٌ مِن البَدَنِ، فجَمِيعُ عَرَقِهِ نَجِسٌ، فجَمِيعُ بَدَنِهِ نَجِسٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِن أَنَّ العَرَقَ جُزْءٌ مِن البَدَنِ، فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الحَدِيثَ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى النَّجَاسَةِ فِيَمَا يَتَعَلَّقُ بِالفَمِ، وَأنَّ نَجَاسَةَ بَقِيَّةِ البَدَنِ بطَريقِ الاسْتِنْبَاطِ، وَفِيْهِ بَحْثٌ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الحَدِيثَ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى نَجَاسَةِ الإِنَاءِ الوُلُوغُ، وَذَلِكَ قَدْرٌ مَشْتَرَكٌ بَيْنَ نَجَاسَةِ عَيْنِ اللُّعَابِ وَعيْنِ الفَمِ، أَو تَنَجُّسِهِمَا بِاستِعْمَالِ النَّجَاسَةِ غَالِبًا، وَالدَّالُ عَلَى المُشْتَرَكِ لا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ الخَاصَّيْنِ، فَلا يَدُلُّ الحَدِيثُ عَلَى نَجَاسَةِ عَيْنِ الفَمِ، أَو عَينِ اللُّعابِ، فَلا تَسْتَقِيمُ الدَّلالَةُ عَلَى نَجَاسَةِ عَيْنِ الكَلْبِ كُلِّهِ.

وَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِأَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَتِ العِلَّةُ تَنْجِيسَ الفَمِ أَو اللُّعَابِ - كَمَا أشَرْتُمْ إِليْهِ - لَزِمَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ، وَهُوَ إِمَّا وُقُوعُ التَّخْصِيصِ فِي العُمُومِ، أَوْ ثُبُوتُ الحُكِمْ بِدُونِ عِلَّتِهِ؛ لأَنَّا إِذَا فَرَضْنَا تَطْهِيرَ فَمِ الكَلْبِ بِمَاءٍ كَثِيرٍ، أَو بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ، فَولَغَ فِي الإِنَاءِ، فَإِمَّا أَنْ يَثْبُتَ وُجُوبُ غَسْلِهِ أَو لا، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ وَجَبَ تَخْصِيصُ العُمُومِ، وَإِنْ ثَبَتَ لَزِمَ ثُبُوتُ الحُكْمِ بِدُونِ عِلَّتِهِ، وَكِلَاهُمَا عَلَى خِلَافِ الأَصْلِ، والَّذِي يُمْكِنُ أنْ يُجَابَ بِهِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ أَنْ يُقَالَ: الحُكْمُ مَنُوطٌ بِالغَالِبِ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِن الصُّوَرِ نَادِرٌ لاَ يُلْتَفَتُ إِليْهِ، وَهَذَا البَحْثُ إِذَا انْتَهَى إِلَى هُنَا يُقَوِّيَ قَوْلَ مَنْ يَرَى أَنَّ الغَسْلَ لِأَجْلِ قَذَارَةِ الكَلْبِ.

المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الحَدِيثُ نَصٌّ فِي اعْتِبَارِ السَّبْعِ فِي عَدَدِ الغَسَلَاتِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: يُغْسَلُ ثَلَاثًا.

المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي رِوَايةِ ابنِ سِيرِينَ زِيَادَةُ (( التُّرَابِ ) )، وَقَالَ بِهَا الشَّافِعِيُّ وَأصْحَابُ الحَدِيثِ، وليْسَتْ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ هَذِهِ الزِّيَادَةُ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت