فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 381

فَلَمْ يَقُلْ بِهَا، والزِّيَادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَقَالَ بِهَا غَيْرُهُ.

المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اخْتَلَفَتِ الرِّوايَاتُ فِي غَسْلَةِ التَّتْرِيبِ، فَفِي بَعْضِهَا: (( أُوْلَاهُنَّ ) )، وَفِي بَعْضِهَا: (( أُخْرَاهُنَّ ) )، وَفِي بَعْضِهَا: (( إِحْدَاهُنَّ ) )، والمَقْصُودُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ حُصُولُ التَّتْرِيبِ فِي مَرَّةٍ مِن المَرَّاتِ، وَقَد يُرَجَّحُ كَونُهُ فِي الأُولَى بِأنَّهُ إِذَا تَرَّبَ أََوَّلًا، فَعَلَى تَقْدِيرِ أنْ يَلْحَقَ بَعْضَ المَوَاضِعِ الطَّاهِرَةِ رَشَاشُ بَعْضِ الغَسَلَاتِ لا يَحْتَاجُ إِلَى تَتْرِيبِهِ، وَإِذَا أُخِّرَتْ غَسْلَةُ التَّتْرِيبِ، فَلَحِقَ رَشَاشُ مَا قَبْلَهَا بَعْضَ المَوَاضِعِ الطَّاهِرَةِ، احْتِيجَ إِلَى تَتْرِيبِهِ، فَكَانَتْ الأُولَى أَرْفَقَ بِالمُكَلَّفِ فَكَانَتْ أَوْلى.

المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيْهَا: (( وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ ) )، تَقْتَضِي زِيَادةَ مَرَّةٍ ثَامنَةٍ ظَاهِرًا، وَبِهِ قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وَقِيلَ: لَمْ يَقُلْ بِهِ غَيْرُهُ، وَلَعَلَّهُ المُرَادُ بِذَلِكَ مِن المُتَقَدِّمِينَ، وَالحَدِيثُ قَوِيٌّ فِيهِ، وَمَن لَمْ يَقُلْ بِهِ احْتَاجَ إِلَى تَأْوِيلِهِ بِوَجْهٍ فِيْهِ اسْتِكْرَاهٌ.

المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا، أُولَاهُنَّ، أََوْ أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ) )، قَدْ يَدُلُّ لِمَا قَالَهُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إِنَّهُ لا يَكْتَفِي بِذَرِّ التُّرَابِ عَلَى المَحَلِّ، بَلْ لَابُدَّ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي المَاءِ، ويُوِصِلَهُ إِلَى المَحَلِّ. وَوَجْهُ الاسْتِدْلَاَََلِ أَنَّهُ جَعَلَ مَرَّةَ التَّتْرِيبِ دَاخِلَةً فِي قِسْمِ مُسَمَّى الغَسَلَاتِ، وَذَرُّ التُّرَابِ عَلَى المَحَلِّ لا يُسَمَّى غَسْلًا، وَهَذَا مُمْكِنٌ، وَفِيْهِ احْتِمَالٌ؛ لأَنَّهُ إِذَا ذَرَّ التُّرَابَ عَلَى المَحَلِّ، وَأَتْبَعَهُ بِالمَاءِ يصِحُّ أن يُقَالَ: غَسَلَ بِالتُّرَابِ، ولَاَبُدَّ مِن مِثْلِ هَذَا فِي أَمْرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَسْلِ المَيِّتِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، عِنْدَ مَن يَرى أنَّ المَاءَ المُتَغَيِّرَ بِالطَّاهِرِ غَيْرُ طَهُورٍ، إنْ جَرَى عَلَى ظَاهِرِ الحَدِيثِ فِي الاكْتِفَاءِ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لأَنَّهَا تُحَصِّلُ مُسَمَّى الغَسْلِ. [وَهَذَا جَيِّدٌ] .

إلَّا أنَّ قَولَهُ: (( وَعَفِّرُوهُ ) )قَدْ يُشْعِرُ بِالاكْتِفَاءِ بالتَّتْرِيبِ بِطَرِيقِ ذَرِّ التُّرَابِ عَلَى المَحَلِّ، فَإِنْ كَانَ خَلْطُهُ بالمَاءِ لا يُنَافِي كَوْنَهُ تَعْفِيرًا لُغَةً، فَقَدْ ثَبَتَ مَا قَالُوهُ، وَلَكِنَّ لَفْظَةَ (( التَّعْفِيرِ ) )حِينَئِذٍ تَنْطَلِقُ عَلَى ذَرِّ التُّرَابِ عَلَى المَحَلِّ، وَعَلَى إِيصَالِهِ بِالمَاءِ إليْهِ، وَالحَدِيثُ الَّذِي دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ مُسَمَّى الغَسْلَةِ، إِذْ دَلَّ عَلَى خَلْطِهِ بِالمَاءِ وَإيصَالِهِ إِلَى المَحَلِّ بِهِ، فَذَلِكَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُطْلَقِ التَّعْفِيرِ، عَلَى التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ شُمُولِ اسْمِ (( التَّعْفِيرِ ) )لِلصُّورَتَيْنِ مَعًا، أَعْنِي ذَرَّ التُّرَابِ وَإيصَالَهُ بالمَاءِ.

المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: الحَدِيثُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الكِلَابِ، وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ قَولٌ بِتَخْصِيصِهِ بالمَنْهِيِّ عَن اتِّخَاذِهِ، وَالأَقْرَبُ العُمُومُ؛ لأَنَّ الأَلِفَ وَالَلَّامَ إِذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى صَرْفِهَا إِلَى المَعْهُودِ المُعَيَّنِ، فَالظَّاهِرُ كَوْنُهَا للْعُمُومِ، وَمَن يَرَى الخُصُوصَ قَد يَأخُذُهُ مِن قَرِينَةٍ تَصْرِفُ العُمُومَ عَنْ ظَاهِرِهِ، فَإِنَّهُمْ نُهُوا عَن اتِّخَاذِ الكِلَابِ إِلَّا لِوُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ، وَالأَمْرُ بالغَسْلِ مَعَ المُخَالَطَةِ عُقُوبَةٌ يُنَاسِبُهَا الاخْتِصَاصُ بِمَن ارْتَكَبَ النَّهْيَ فِي اتِّخَاذِ مَا مُنِعَ مِن اتِّخاذِهِ، وَأَمَّا مَن اتَّخَذَ مَا أُبِيحَ لَهُ اتِّخاذُهُ، فَإِيجَابُ الغَسْلِ عَلَيْهِ مَعَ المُخَالَطَةِ عُسْرٌ وَحَرَجٌ، وَلا يُنَاسِبُهُ الإِذْنُ وَالإِبَاحَةُ فِي الاتِّخَاذِ، وَهَذَا يتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ القَرِينَةُ مَوْجُودَةً عِنْدَ النَّهِي.

المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: (( الإِنَاءُ ) )عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ إِنَاءٍ، وَالأَمْرُ بِغَسْلِهِ للنَّجَاسَةِ، إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَنَجِيسَ مَا فِيْهِ، فيَقْتَضِي المَنْعَ مِن اسْتِعْمَالِهِ، وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ قَولٌ: أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالمَاءِ، وَأَنَّ الطَّعَامَ الَّذِي وَلَغَ فِيْهِ الكَلْبُ لا يُرَاقُ وَلا يُجْتَنَبُ، وَقَدْ وَرَدَ الأَمْرُ بِالإِرَاقَةِ مُطْلَقًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت